مشايخ دوارنا

audio

للمتتبع لما يجري عل الساحة التونسية على الأنترنت إنطباعان : خيبة أمل و مرارة. على الأقل هذا ما أشعر به عند كتابة هذه السطور. مردة هذا الشعور حادثان :

1. المستوى الذي نزل إليه تراشق الشتائم و الإتهامات بين زهير اليحياوي و صالح كركر و الذي دار على منتدى تونزين و قوبل باستياء جميع الذين يكنون للرجلين إحتراما بغض الطرف عن عقيدتهما السياسية حيث طالت الشتائم ,حسب ذكر بعض الثقات, الكثير من معتادي الموقع.

2. الحادث الثاني كان ميدانه غرفة نواة على البالتولك إثر الحلقة الثانية من الحوار مع صالح كركر, فقد عبر هو الآخر عن مدى هشاشة الحوار الإسلامي/ الإسلامي و غلبة نزعة التعصب و التحزب و الأحكام المسبقة على بعض المتدخلين الذين يريدون ممارسة الوصاية على كل ما هو إسلامي.

الحادثان يعبران عن أزمة ثقة كانت أولى تفريخاتها, ولن تكون الأخيرة, أزمة في أساليب التواصل, أو قل أزمة أخلاق. بحيث أن فقدان الثقة في شخص ما أو في مجموعة ما كانت تتجلى انحطاطا في مستوى النقاش و زوالا لكل ادبيات الحوار التي هي من دعائم المجتمع المدني المنشود. و هذه الحالة المرضية يجب معالجتها لكي يكتسب العمل السياسي المعارض مصداقيته التي من دونها لا أمل له في الوصول إلى قلوب الناس و عقولهم حشدا لإراداتهم و شحنا لهممهم. وهنا و في حديثي عن أزمة الثقة و الأخلاق فأنا لا أنزه نفسي ,فالنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. كل ما أريده هو وضع الإصبع على هذا الداء الذي بات يهدد العمل السياسي المعارض برمته أملا في أن يكون نصي هذا حافزا لوقفة شجاعة نراجع فيها أنفسنا قبل حصول ما لا يحمد عقباه. أي قبل القطيعة التي تتربص بنا. وكل هذا يجري مع خروج البلاغ الداعي لوحدة وطنية من أجل مقاطعة فاعلة للإنتخابات الرئاسية و التشريعية المقبلة.

في تعقيبه على صدور البلاغ سألني زهير اليحياوي، وهو أحد الموقعين، عن مدى قدرة هذا النداء على لم شمل القوى المعارضة. سأغتنم هذه الفرصة لأجيب على سؤاله مهتديا بالعبر التي استخلصتها من الحادثين السالفين و من الإنطباع الذي أحمله عن المعارضة التونسية و وجوهها.

لا يا زهير ، لن ينجح هذا النداء في تحقيق اهدافه و ذالك لسببين أساسيين :

1. غياب عامل الثقة بين مكونات المجتمع المدني و المعارضة. فالمشهد الذي تقدمه لنا المعارضة التقليدية بمؤسساتها و ” نخبتها” ليس سوى سلسلة من الإنقلابات و الإستقالات و إرادة عزل و تشويه صورة بعض الوجوه الصادقة و الشريفة و التي يمثل السيد نجيب حسني آخر ضحاياها في دائرة المدافعين عن حقوق الإنسان و السيد صلاح الدين الجورشي ضحيتها في دائرة الصحفيين. و القادم أخطر.

2. عدم وضوح الخطوات التي يجب اتباعها لتفعيل هذه المبادرة. فخطاب النداء صمت عن رسم الخطط العملية التي من شأنها أن تحول الشعار إلى دينامكية عمل و ظل يكرر نفس المطالب التي قد لا نختلف عليها و لكننا لا ندري ما هي آليات تحقيقها. فبالرغم من العنوان الذي أعطاه النداء لنفسه، أي ” من أجل مقاطعة نشيطة” لانتخابات” 24 أكتوبر 2004″ فإنه تحدث عن كل شيء سوى الفعل. و هذه الملاحظة سأتركها لمقال مستقل أخصصه لهذا الغرض بمناسبة العدد الخاص من نواة و الذي سيتناول موضوع الإنتخابات و المقاطعة.

لنعد بعد هذه الإجابة الوجيزة إلى موضوع هذه الورقة وهو أزمة الثقة لأقول:

هذه الأزمة لم تولد من فراغ بل كانت حصيلة تعفن الأساليب التي مورست بها فنون السياسة و الدفاع عن حقوق اللإنسان. أساليب تميزت بنزعات الولاءات الإيديولوجية و الحزبية و الجهوية و حتى العشائرية. و هنا فحال المعارضة التقليدية ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان لا يختلف جذريا عن حال دولة القمع التونسية فكلنا، إلا من رحم ربك، نحمل في داخلنا دكتاتورا صغيرا يكبر و يصغر على حسب معادلة القوة.

و بين الدولة و معارضتها يقف الكثيرون حيارى أمام هذا المشهد السريالي. فليس باستطاعة أي أحد منا أن يتجاهل الإحتقان الذي يتقاسمه الكثيرون من المعنيين بالشأن التونسي. و لا يتجاهل ذلك إلا مغتر.

لا شك أن للدولة في هذا الشعور نصيب الأسد. قمعها، كذبها، إزدواجية خطابها أضف إلى ذلك خطورة الأزمات التي زجت المجتمع فيها و التي لا تولد غير انسداد الأفق و فقدان الأمل في جدية إرادة الإصلاح، ذاك الشعار الذي صار عنوان المرحلة واحتل صدارة الإهتمامات الرسمية بعد انهيار شعار التنمية الذي خدرنا طيلة نصف القرن الماضي. من جهة أخرى فقد شجعت بعض مؤسسات المجتمع المدني و ” رموزه” على تنامي هذا الإحتقان بدل التخفيف عنه. فتقاليد الكيل بمكلانين و تفضيل الأقرب إيديولجيا و التضحية بالأضعف إعلاميا صارت راسخة في بعض هياكل المجتمع المدني حتى بات مجرد ذكرها ذنبا و التنديد بها كفرا سياسيا يعاقب عليه بالحصار و التهم. هذه التقاليد لتي احترفها البعض جاعلا منها قاعدة عمل في الدفاع عن حقوق الإنسان أفقدت العديد تلك المصداقية التي اكتسبوها في شوط من الأشواط حتى راج بين جمع المحتقنين استعمال نعوت تعبر عن فقدان الثقة في هذه ” النخبة” التي تسميها أنت في نصك ب ” أسيادنا الأحرار” و أسميها أنا هنا ب ” مشايخ دوارنا ” الجدد.

فصفة ” المعارضة الغذائية”و ” الحركيين الجدد”و ” أشراف المعارضة ” و غيرها من المصطلحات التي ما كانت لتبرز لولا ذاك الشعور العميق بخيبة الأمل و المرارة.

رد’ فعل المعارضة التقليدية و بعض رموز المجتمع المدني على هذه الظاهرة زاد الطين بلة. فعوض أن يسعوا لفهم هذا التطور عن قرب عبر قنواة الحوار فضلوا الإستعلاء و غالوا في الكبرياء و التجأوا بدورهم لقاموس المصطلحات البالية قاذفين كل من فتح فاه نقدا بالعمالة للنظام و جهاز شرطته.و ” كيف يكون الإنسان شريفا و جهاز الأمن يمد يديه بكل مكان؟ ”

عدم قدرة هذا الفصيل على التعامل مع الظاهرة التي أعتبرها شخصيا صحية عزله تدريجييا عن جموع الذين تسميهم ب” المطحونين”، أولائك الذين عينت نفسك، حسب قولك، الناطق الرسمي باسمهم.

أصل هنا إلى النقطة التي تستلزم درجة أخرى من الصراحة. و هنا سأكون مضطرا لإعادة صياغة بعض الأسئلة التي ظلت تؤرق عيني و لست وحدي في هذا الحال. أسئلة طرحتها يوما و أطرحها آخر عساها توقد في ذهنك و ذهن آخرين حولنا إرادة فهم حقيقة الإقتحان:

1) لماذا يغادر اليساريون عادة السجن قبل قضاء مدة عقوبتهم و تعاد لهم جوازاتهم و يرافق هذا و ذاك الفتح المبين ضجيج إعلامي بينما تمدد مدة سجن الإسلامي و لا يغادر زنزانة إلا ليقاد إلى أخرى ؟

2) كم من واحد من هؤلاء المغضوب عليهم سياسيا أضرب عن الطعام ثم مرض ثم مات ثم دفن في صمت فلا ضجيج و لا صراخ ؟

3) هل أن الإسلاميين في موقع قوة يسمح لهم بتهديد ووصف سهام بن سدرين ، حسب ادعائها، بالعاهرة حتى تغتنم فرصة إعلامية لا تأتي لتونسي إلا نادرا لتوجه حقدها ضدهم وهم عنوان الإضطهاد و غنيمة التجار من بين المدافعين عن حقوق الإنسان.

4) لماذا تطلق على المعارض الإسلامي أو المتمرد على الدولة و المعارضة كل النعوت التشويهية (من بيوت مكيفة إلى جذران) بينما يتحول المعارض المنتمي ” جينيا” إلى اليسار إلى بطل في الدفاع عن الحريات و حقوق الإنسان؟ و ما هي أسرار صناعة الأبطال و ” الأسياد” في تونس ؟

5) لماذا يكاد يعود ” سيدا” من المنتمين ” جينيا” إلى اليسار على سحابة إعلامية وعلى أعناق ” الصحفيين” الحرفيين جدا و كأنه خيرالأنام بينما يموت المستضعف في غربته جراء مرض أصابه في السجن ولا تذرف دمعة إعلامية على جثمانه الغريب. أفلا تكفي غربة السجن و غربة المنفى حتى تضاف عليها غربة الموت ؟

6) لماذا تتمكن صوفي الأجنبية من دخول تونس و هي مديرة تونزين الموقع المعارض و لا يحلم التونسي المعارض بذلك رغم أنه الأحق بالعودة و لقاء الأحبة ؟ و هل ” لأسيادنا الأحرار من أبناء الوطن ” كما تسميهم يا زهير دور في ضمان دخول زيد أو عمر إلى أرض الوطن أم أن المطحونين فصلت على أجسادهم أكفان الغربة فلن يعودوا إلا موتى ؟

أسألة كثيرة أخرى يمكن طرحها و يمكن أيضا ، إن أردنا مصادقة أنفسنا، أن نجيب عليها و لكن هذه الورقة لن تسعها و لا حتى صدور المطحونين على سعتها. أرجو أن لا أكون قد أزعجتك و غيرك بها فأنا لا أقصد إحراجك و لا أنتظرمنك إجابات. بل كل ما آمل فيه هو أن تحرك فينا هذه التساؤلات التي تدور، غصبا عنا و عن ” أسيادنا الأحرار” ، في أذهان الآلاف من المطحونين و عائلاتهم، إنسانيتنا لتقودنا إلى منبع الصفاء السياسي الذي ليس من بعده مجال لمنطق الأحزاب و الإيديلوجيات والأسياد. فليس المهم أن نجد الأجوبة بل المهم أن نندد بالمنطق الذي ينسج الأجوبة. ذاك المنطق الذي لا يريدنا أن نتسائل و لا يريدنا أن نجيب و لا يريدنا أن نقف على أصل الداء. داء ثقافة الأسياد و ولاء العشائر السياسية. ذاك المنطق الذي لا يريد أن يسمع من الكلام إلا المديح و من الصراخ إلا النَـعم. لهؤلاء و لكل الذين يريدون أن يلجموا أفواهنا، لنظام القمع و البوليس و” أسيادنا الأحرار” المزيفين نقول لن نسكت ، و هيهات منا الذل

كل الذين صفقوا لك صولتك و زلة لسانك و راحوا يتراقصون على أبحارالشتائم التونسية جدا متظاهرين بالدفاع عنك أو بمساندتك ليسوا أصدقاؤك. بدوري أقول لهم : ” لا نامت أعين الجبناء”. أصدقاؤك هم أولائك الذين يؤلمهم سقوطك و يهمهم صون ماء وجهك. و ماء الوجه ليس كماء البحر يا زهير. فربانه الحلم و شراعه التواضع و رياحه العلم. و من العلم أنه ليس منا من لم يحترم صغيرنا و لم يوقر كبيرنا. كلمة قالها رجل ليس بسيد بل كان مفتخرا بكونه عبدا ذليلا ، ذاك الذي نزلت عليه حقيقة ” قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ؟ ”

أخوك في الوطن إن لم أكن في الله ،

سامي بن غربية….شمس الدين.

  • مشايخ دوارنا عنوان لأغنية للمجموعة التونسية : أصحاب الكلمة

Advertisements