في الحوار و المقاطعة و القطيعة

boycott
– I في الحوار

الحديث عن ” الإنتخابت” التشريعية و الرئاسية و مقاطعتها هو حديث عن الشأن التونسي العام بمعنى أنه يخص أفراد و شرائح المجتمع التونسي على اختلاف مشاربهم و بغض النظر عن مدى عمق أو سطحية وعيهم السياسي و قدم أو حدوث تجربتهم النضالية. و لعل الأصوات المطالبة بحصر الحوار على ذوي الخبرة لا تعدو أن تكون سوى شكلا آخر من أشكال الوصاية على الشعب بدعوى قصوره و عدم رشده في التعامل مع الحدث السياسي. و لقد وصل الأمر ببعض الوجوه التي أحببناها لنضالها من أجل حرية الكلمة إلى التساؤل عن ” الجدوى من الكتابة المناضلة” مشككة حتى في جدارتنا في الحرية[كلمة أم زياد. مجلة كلمة العدد 25.]. و هنا أعجب أن تصدر هذه الأصوات عن دائرة المعارضة المقاومة للسلطة بل عن أولى الموقعين على البيان الداعي إلى المقاطعة حيث حدد السيد منصف المرزوقي شروطا للحوار من بينها توفر عامل الخبرة لدى المتحاورين[Moncef Marzaouki, Réponse au juge Yahyaoui : « Un vrai débat implique trois choses : le respect mutuel entre protagonistes expérimentés…” TUNISNEWS du 04/06/04 ] ، بتعبير آخر غلق الباب أمام الرافدين الجدد على الشأن السياسي في انتظار تزكيتهم من قبل قدماء المعارضة أو نجاحهم في الحصول على ” أصل سياسي” على غرار” الأصل التجاري” الذي يمكنهم من دخول حوزة السياسة التي صارت في كثير من شؤونها أمر باعة و حرفاء و بضاعة تسويق.

و تجدر الإشارة هنا إلى أن كثرة المحاولات في الآونة الأخيرة التي دأبت على تشويه صورة المنتديات التونسية و ما يكتب فيها ليست سوى علامة عن ذاك ” القلق الوجودي” الذي باتت تعيشه بعض وجوه المعارضة و المجتمع المدني إزاء تنامي ظاهرة الأسماء المستعارة و ظاهرة النقد اللاذع للسلوكيات السياسية لكل من السلطة و معارضتها. فالكثيرون ينظرون للحوار من زاوية إستعلائية و أخلاقوية وكأن الساحة وقف على المربع القديم و ليس من زاوية إنجاز الحقوق الوطنية الثابتة لكل فرد مهما صغر حجمه السياسي طالما أنه متيم بحب الوطن و سباق لمصلحته. و لعل السيد مختار اليحياوي يعد إستثناءا في الساحة السياسية التونسية حيث تميز ب:

  • جرأته على التحاور مع هذا الجيل الجديد متحملا أعباء التواصل الذي ينحرف أحيانا عن آدابه ، و تلك هي تربة السياسة حتى نرتقي بالحوار إلى أحسن أحواله. و ذلك لن يكون باللعن و لا بالإنعزال بل بالمجاهدة و المثابرة. فجرأته هذه و تواضعه في مخاطبة الجميع قل ما نجدها في أوساط الساسة التونسيين النخبوية الأصل و السلطوية النشأة.
  • فهمه و معايشته للتطورات التي تشهدها الساحة التونسية على الأنترنت و هو ما تعبرعنه كتاباته و نذكر منها مقاله الأخير الذي تناول هذه الظاهرة بالتحليل[Résonances anonymes : Mokhtar Yahyaoui]. و لا يسعني هنا إلا أن أنوه بأسلوبه راجيا أن يحذو حذوه آخرون من شخصيات المعارضة التي فضلت الإنغلاق على نفسها و ذويها بدل أن تكتوي بحرقة الحوار الذي لا بديل عنه رغم اهتزازه كغيره من الحوارات التي كلها و بدون أي استثناء تمر بمراحل عصيبة يكون فيها الصمت أسلم. فلا يعقل أن ندعو من جهة الشعب للحاق بهذا البيان أو ذاك و نعمل من جهة اخرى على صد الباب أمام القادمين الجدد ونعتهم بنعوت لا تعبر إلا عن فشلنا في مد جسور التواصل. فلا عقل سياسي سليم و مجدد بدون رصد لمتغيرات الزمان و ما تحمله الأيام. و إذا كان المشهد السياسي التونسي المعارض يمر بأزمة ينفر فيها القديم من الجديد وكذا العكس فمرد ذلك إلى إرادة خلع الثوب القديم و السعي لارتداء الزي الجديد. إنها أزمة ولادة و ليست أزمة ممات. لذا وجب استقبالها بصدر رحب و التعامل معها على أنها جزء من الجسد و ليست بغريبة و لا بلقيطة. فرجل السياسة الذي يعجز عن إنتاج مساهمة تكون واعية بعصرها فطنة في إعادة صياغة أساليب المعارضة ثباتا على المبادئ وانفتاحا على المستجدات، ليونة في رصد التغيير و التحول و صلابة في مواجهة آلة القمع لا يمكن أن يكون أداة تغييرحقيقي و لو صفت نيته و رجح عقله.

– II في المقاطعة.

لعل هذا التوضيح يقودنا إلىالتساؤل عن الطرف الذي يتوجه إليه نداء المقاطعة، أي الشعب التونسي أو كما فصله نص البيان ب ” أطراف مقاومة الدكتاتورية في صلب المجتمع المدني المستقل و… الحركة النقابية و… الطبقات الشعبية (عمال ، موظفين ، عاطلين ، فلاحين، شبيبة تلمذية وطلابية) ” و هنا فسأتجنب الحديث عن اولائك الذين قرروا المشاركة في المهزلة الإنتخابية باسم “الترشح الإحتجاجي” أو باسم “القطب الديمقراطي”، أو “القطب الثالث”. و ما أكثر التسميات و المسمى واحد. فمنذ انقلاب السابع من نوفمبر الذي بني على أكذوبة ” لا مجال في عصرنا لرئاسة مدى الحياة” إلى ” إنتخابات” أكتوبر 2004 واستراتيجية النظام واحدة لم و لن تتغير و إن تغيرت رنة الخطابات و ألوان التحالفات : ضمان حكم خريج المدارس الأمنية بن علي مدى الحياة و إعطاء نفس جديد و متجدد للحزب الحاكم يخلق من خلاله فراغا يكون قوامه الإنفراد بأطراف المعادلة السياسية الواحد تلو الآخر بدءا بالأقوى وصولا إلى زج البلاد ومؤسسات المجتمع المدني فهياكل الدولة في أزمات يصعب معها التصدي لغطرسة الحاكم و عصاباته الحليفة. و على هذا الشكل أفرغت السياسة من معناها و سحقت المعارضة ترغيبا و ترهيبا و كسرت مفاصل المجتمع المدني من نقابات و منظمات و حركات طلابية و تلمذية. و ما استفتاء ماي 2002 الذي فتح الباب مجددا لرئاسة بن علي مدى الحياة إلا مرحلة من مراحل هذه الإستراتيجية. و كذا الحال بالنسبة ل ” الإنتخابات” المقبلة. فهي محطة من مسار تحققت كل محطاته بمعونة أحزاب سياسية لا يتجاوز عدد المتعاطفين معها عدد أعضاءها إلا أنها قدمت للحزب الحاكم ،و لا تزال تقدم، الغطاء و الشرعية الذان أوصلاه بسلام إلى هذه المرحلة التي نحن بصدد البحث عن مخرج لها.

سيقتصر حديثنا على من وقف من النداء من أجل مقاطعة نشيطة للإنتخابات موقفا إيجابيا مع إبداء بعض التحفظات ذات الأهمية كالموقف من أمريكا و الغرب عموما و طبيعة السياسة الإقتصادية و الإجتماعية التي يجب اتباعها و عدم وضوح آليات تفعيل المقاطة و اعتبارها ” فرارا من الواقع وتهربا من مجابهته” . و سأتناول هنا هذه الإعتراضات آملا في أن يكون مسعاي لبنة من لبنات الحوار:

أ‌- ذهب كل من السيد مختار اليحياوي في رده[Les raisons d’une abstention. Mokhtar Yahyaoui, Appel au boycott et résistance démocratique.] على مبادرة المقاطعة و السيد ” مواطن” في مقال[Le Phoenix tunisien Citoyen tunisien.] نشر على صفحات تونس نيوز بتاريخ 07 جوان 2004 إلى ضرورة مراعات الضغوط الخارجية التي تمارس على الدكتاتورية و توظيفها لصالح قضية التحرر و التخلص من النظام الحاكم. و بالرغم من أن السيد مختار اليحياوي يعترف بدور السند الذي لعبته و لا تزال القوى الأجنبية للنظام القمعي لبن علي إلا أنه لا يزال يرجو منها في أن تنقلب على مصلحتها التي من مستلزماتها دوام الدكتاتورية. فلا دكتاتورية بدون المعونات الخارجية التي كانت تمويلا لآلة القمع و البوليس و تنويها ب” المعجزة التونسية” في مجال الإقتصاد و تسويقا لسياسة تونس في التصدي للداء المصطنع حديثا و المتمثل في التيارات الإسلامية. و لعل خيبات الأمل عقب زيارة الرئيس الفرنسي لتونس و زيارة الرئيس بن علي لواشنطن و غيرها من العبر السياسية التي تكاد تعمينا غير كافية للوقوف على حقيقة أن الغرب الرسمي بدوله و مؤسساته الإقتصادية و المالية و العسكرية و الأمنية هو حليف الدكتاتورية إن سايرت مصالحه و عدو المجتمعات ونضالاتها من أجل إرساء الحرية واسترداد الكرامة.

وليست الحرب على العراق و أفغانستان على قبح أنظمتهما المستبدة إلا دليلا على مشروع إعادة إنتاج الإستعمار في المنطقة . فهذا المشروع يمرر عبر إفشاء اليأس السياسي بين صفوف النخب السياسية و الفكرية و إيهامها أن لا مناص من الدكتاتورية غير الإرتماء في أحضان القوى الإستعمارية الجديدة وعلى رأسها أمريكا. وحتى إذا اشتدت الأزمات السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية و انسدت الآفاق و استفحلت أيادي السلطة القمعية و سرى اليأس في شرايين المجتمع و نخبته سهل التخلي عن مقومات السيادة الوطنية و شاعت تقاليد اللجوء إلى الخارج طلبا للعون واستحسنت الأصواة الداعية لتدخل الأجنبي إيمانا بأنه السيد و يقينا بأن التبعية قدرا علينا سلطة و معارضة. مطلب السيادة الوطنية التي شكل العقل السياسي العربي و الإسلامي و حتى الإفريقي طيلة القرن الماضي سرعان ما تآكل على وقع الهزائم التي منيت بها الأمة و الأزمات التي زجت الأنظمة الإستبدادية مجتمعاتنا فيها. و لا أزمة أعصى من أزمة اليأس السياسي و لا هزيمة أعظم من هزيمة الإرادة.

فشل مشاريع ” التنمية” و سطوع نجم مشروع ” الشرق الأوسط الكبير” الذي يعتبر تتويجا لسياسات الليبيرالية الجديدة التي قادها كل من ريغن و تاتشر في الثمانينات و التي على أساسها نسجت خيوط العولمة المتوحشة التي بدأت بضاعة و انتهت جندا حتى أننا صرنا لا نستعجب وجود الجمارك الأمريكية في مطارات أوروبا و لا خفارات السواحل الإيطالية داخل المياه الليبية و لا سيطرة الطلائع الإسرائيلية على بلدان القرن الإفريقي تحتم علينا رسم استراتيجية جديدة للمقاومة تأخذ بعين الإعتبار كل التطورات الخطيرة التي تعيشها المنطقة و العالم.

وإذا كانت أعداد متزايدة من العسكريين الأمركيين القدامى و متقاعدي وكالة الإستخبارات الأمريكية و ديبلوماسيين سابقين و خبراء متخصصين نددوا بمشروع الإدارة الأمريكية عبر عرائض و رسائل نشرتها أكبر الصحف الأمريكية فإنه أولى بنا أن نكون في طليعة هذه المقاومة لهذا المشروع المتصهين الذي بات يهدد اليابس و الأخضر ضاربا عرض الحائط بالشرائع الدولية ومتجاهلا بجبروته أنين المعذبين و صراخ المحرومين بدعوى محاربة الإرهاب و إرساء الديمقراطية رافعا نفس الشعارات التي رفعها جلادونا منذ عقود و اكتوينا من ويلاتها و لا نزال. فهل نصدق من تجرأ و كذب على العالم و فبرك حجج و براهين لغزو العراق أم نستثيق في من لا تهمه مأساة بحجم إفريقيا و لا حال الطبيعية و الإنسان التي يسعى في خرابها بعدم مصادقته على إتفاقية كيوتو و صنع القنابل المضادة للأفراد و غيرها من المواقف الا إنسانية.

ب- فالواقعية السياسية و التحليل الجيو-سياسي الموضوعي يتطلبان منا أن نكون من معارضي هذه الإدارة و حلفاءها و لا أن ندعو بحجة أن تونس رقم ضعيف داخل المعادلة الأمريكية يسهل التنازل عنه كما ذهب إلى ذالك الأخ ” مواطن تونسي” لمجاراتها طمعا في فتات استراتيجيتها الإستعمارية. فتونس ليست كما يظن البعض ذاك البلد الضعيف الذي ليس له مكان في خارطة الأطماع الإستعمارية. فالتاريخ المرير لعالمنا قدم لنا الدليل تلو الدليل عن شجع المستعمر و عدم تفريطه في جزر نائية كالمالوين و لا في صخرة قاحلة كجزيرة نيكور القريبة جدا من مدينة الحسيمة المغربية الشمالية و التي كادت أن تشعل حربا بين المغرب و إسبانيا و من وراءها الإتحاد الأوروبي الذي سارع بتهديد المغرب. فالأمة العربية و الإسلامية تمثل العمق الإستراتيجي لتونس وسندها التاريخي. و أي انفتاحة أو انتاكاسة ديمقراطية في أي قطر من أقطار هذا ” الإستثناء العربي” مهما كان حجم القطر و حجم ثرواته الطبيعية فإن لها انعكاساتها على الأقطار العربية الأخرى البعيدة و القريبة. و تكفي هنا الإشارة إلى صغر جزيرة قطر وكبر دور قناة الجزيرة داخل ما اصطلح على تسميته ب” الشارع العربي” و تفاهة مساحة غزة أو الجنوب اللبناني و عظمة تأثيرهما على وجدان الساحة العربية لدليل على هشاشة هذا الإدعاء.

ففي حسابات واضعي السياسات الغربية لايوجد مكان لبلد ديمقراطي عربي واحد و إن صغرت مساحته لأن عدوى الديمقراطية تنقلها اللغة المشتركة و التاريخ الواحد و الهموم المتقاسمة و أحلام الوحدة و النهوض التي لا تزال تنبض رغم الدعوات القطرية التي يتم تشجيعها من جانب الرسميين العرب خدمة لمصالح الدوائر الغربية على حساب مستقبل الأمة. ففي ظل الهرولة الإستعمارية الجديدة ليس من المعقول القول بأن القوى الكبرى يمكنها التفريط في تونس و تحويلها إلى واجهة تسوق من خلال بريقها الكاذب أسطورة الشرق الأوسط الكبير و أكذوبة تصدير الديمقراطية. فالديقراطية الحقيقية لأي قطر عربي هي بمثابة استرجاع للسيادة الوطنية المسلوبة و انتكاسة لإرادة الهيمنة التي تميز العقل السياسي الرسمي للغرب عموما و الولايات المتحدة خصوصا. فبما أن الديمقراطية هي بمثابة استقلال ثان فإن تصديق الإدعاءات الأمريكية و اللعب على وتيرة الواقعية السياسية المهزومة الإرادة لن تكون نتائجها سوى الذل و مصادرة العزة و الكرامة و رضاء ب” التبعية الديمقراطية” التي يُسعى إلى تحقيقها.

III -في القطيعة.

و هنا فإن تعريج النداء على المسألة الإقتصادية و الإجتماعية لم يكن من باب الترف الفكري بل استجاب لهذه القراءة الجيو استراتيجية التي تقتضي الحذر من الليبيرالية الجديدة التي دعا إليها كل من السيد مخاتر اليحياوي و السيد خالد الطراولي خلال عرضه لمبدرة “و لم لا نرشح سجينا سياسيا ؟”[د.خالد الطراولي, ولم لا نرشح سجينا سياسيا ؟ توتس نيوز ]. حيث رفع شعار “الحرية أولا ودائما” بل نادى إلى “انفتاح اقتصادي معمق”. وهنا تجدر الإشارة إلى الخلط في المفاهيم و توظيف شعار الحرية الذي نربوا إليها جميعا لأجل تمرير السياسة الليبيرالية التي هي بالأساس مشروع خصخصة للثروة وللرفاهة و حتى للحرية إذ لا يمكن أن نسمي العامل المسرح جراء هذه السياسة و لا الشاب العاطل عن العمل حرا، بل عبدا حديثا لا أفق لحريته سوى ذاك الأفق الممزوج بالإنتحار الذي تؤمنه قوارب الموت التي باتت تحصد شبابنا. فإشارة النداء لهذا الجانب المهم ، و الأهم حتى من الإنتخابات التي ستكون من نتائجها بيع البلاد للإستثمار الأجنبي و تحرير السوق على حساب الإنسان و التسليم بالسيادة الوطنية و بالأمن الغذائي لمراكز صنع القرار و الثروة التي ليس لعملتها وجها آخر سوى وجهى الغناء الفاحش و الفقر المطبق، ليس بالأمر المجاني.

و قد أحسن السيد خالد الطراولي عندما نبه إلى أن ” المقاطعة لن تجدي إذا لم يصحبها بديل عملي واضح المعالم، واستراتيجية مجمع عليها، وإلا ظلت فرارا من الواقع وتهربا من مجابهته!!” و هذه هي نقطة ضعف النداء و الله أعلم. فإنه دعانا إلى أهداف لم يذكر سبل تحقيقها و لعل الشيء الوحيد الذي يمكن جنيه من هكذا نداء هو ما لخصه السيد عبد الوهاب معطر في ما سماه ب” رسالة واضحة ذات ثلاث أبعاد” : “فللشعب يكون مغزى هذه المقاطعة أن الناخب التونسي يرفض المشاركة في التزييف والتزوير وأنه لم يعد يقبل بتزكية انتخابات لا شرعيّة لسلطة فاقدة الشرعيّة. وللعالم الخارجي يكون مضمون رسالة المقاطعة هو أنّ القوى الوطنيّة في تونس أصبحت ترفض التعامل مع المهازل والمسرحيّات وأنّ النظام الحالي لم يعد قادرا على ادارة أيّة حياة سياسيّة في البلاد. أمّا بالنسبة للسلطة فانّها ستتلقّى أوّل ضربة مفصليّة عبر هذه المقاطعة التي ستحرمها من الديكور التسويقي لمهزلة انتخاباتها بما يجعلها رهينة الشعور الدائم بعدم شرعيّتها.”[ قراءة سريعة في بيان، الأستاذ عبد الوهاب معطر]

إلا أن هذا لا يكفي لجعل هذا النداء من أجل المقاطعة ناشطا و فعالا و هذا ما انتبه إليه السيد صدري الخياري عندما لمح، في الحوار الذي أجراه مؤخرا مع مجلة ” لوداس L’Audace”، إلى ضرورة قيام ” لجان محلية” قصد التهيء للفعل و للعصيان المدني و لإضراب عام قد ينتهي بحكم الطاغية بن علي. و هذه الإشارة من السيد صدري الخياري تعتبر قطيعة مع أساليب ممارسة السياسة التي عودتنا عليها أحزاب المعارض، أي خيار البيانات و إضراب الجوع. بل إنه ذهب إلى مطالبة حركة النهضة بتغيير توجهاتها التي حولتها إلى مؤسسة همها الوحيد طيلة عقد و نصف هو إخراج المساجين السياسييين. و هذا المطلب على أهميته لا يمكن ان يشكل برنامجا سياسيا لم تنجح النهضة في تحقيق و لو جزء ضئيل منه. بل قد أشار السيد صدري الخياري إلى ملاحظة هامة وهي الحال الذي أصبحت عليه حركة النهضة من مروج لليبيرالية الجديدة و من انكسار أجنحة خطابها السياسي إلى درجة أننا لم نعد نفرق بينها و بين غيرها من الأحزاب المهرولة للغرب الرسمي و الطامعة في لفتة رحمة من سياسييه و مؤسساته ، حتى أنها صارت آلة لإصدار البيانات تنديدا بعمل إرهابي وتسويقا لوجهها المعتدل الذي بات همها الثاني بعد هم الإفراج عن المساجين.

فالمقاطعة ليست نداءا فإمضاءا فوقوفا على الربوة بل عمل دؤوب من أجل إيصال الصوت للشعب قصد إقناعه بجدوى المقاومة ثم تشريكه. أي أنها قطيعة مع المناخ السياسي القديم و أدواته التي لم تعد قادرة على تحقيق مطلب واحد من المطالب المتفق عليها. قطيعة بكل ما تعنيه الكلمة من عودة لأساليب العمل الثوري عبر الإلتحام بالشبيبة التلمذية و الطلابية , عبر تكويين الخلايا و كتابة المناشير و توزيعها و إغناء ثقافة الإضرابات العمالية و النزول بالصراع إلى الشارع حتى تستعيد المعارضة دورها الحقيقي الذي سيكون مفتاح كسب التعاطف الشعبي واسترجاع مصداقيتها التي فقدتها طيلة العقود المنصرمة . فالمقاطعة قطيعة مع الماضي أو لا تكون. و إن نزع ثوب النخبوية و الإستعلاء و الشخصنة شرط لضمان وجودها. و كما قال الشاعر السوري أدونيس “إن الحية التي لا تغير جلدها تموت.”

Advertisements