قراءة في مقاربة يزّي

Ben Ali Yezzi Fock

تقديم

ما هي المقاييس المستعملة للحكم على نجاح أو فشل تجربة ما ؟ إذا نجحت : كيف تـُوفّر لها أسباب الدوام ؟ و إذا فشلت هل من سبيل إلى إعادة بعثها ؟ و في كلتا الحالتين، ما هي الدروس و العبر التي يمكن استخلاصها من التجربة ؟ تلك هي الأسئلة التي راودتني قبل و أثناء كتابة هذه المقالة التقييمية لبعض جوانب تجربة “يزي… فك”. أكتبها كعضو من أعضاء الفريق الذي رافق إرهاصاتها و ولادتها ، و كحريص على مستقبلها و سلامة مسارها. قد لا يساعدني انتمائي لها ولا قرابتي منها على النظر إليها بعين التجرد و الموضوعية التي تقتضيها أي دراسة تقييمية. فإلى جانب محاولة التأصيل النظري لمقاربة “يـزّي”، أسعى من خلال هذه الأسطر التي أكتبها بمناسبة مرور شهر على بعثها، إلى رد شبهات و إيضاح مـُبهمات علقت بأذهان من أراد بها شرا فطعن، و من أراد بها خيرا ففطن.

بين يزي…فك و كفاية المصرية.

أ‌) في التسمية.

لعل السؤال الذي يطرح نفسه ابتداءا هو ذلك المتعلق بالسبب الكامن وراء هذه التسمية. إذ تبدو للوهلة الأولى و كأن العبارة التي اختارتها هذه المبادرة لنفسها مستوحاة من إسم الحركة المصرية من أجل التغيير ” كفاية”. فما يجمعهما هو تلك الصرخة باللهجة المحلية في وجه المستفريدن بالسلطة سواء في مصر أو في تونس. و قِْـدم حركة ” كفاية” المصرية على مبادرة يزي التونسية أعطى لتـُهم الذين يقذفون “يزي” بالتقليد و عدم الأصالة ظاهرا من الصّحة. فكأنما ” كفاية” هي الأصل و يزي هي تلك النسخة المشوهة.

إلا أننا لو تصفحنا تجارب التغيير السلمي في العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة ، و عدنا إلى ملاحم السابقين في حلبة الطراع الدائر منذ القدم بين القضايا العادلة و الطاغوت، لوجدنا أن هذه الصرخة قد رافقت روّاد الحرية مفنّدة الإدعاء الذي يتهم “يزي … فك ” بالتقليد الأعمى.

و على سبيل الذكر لا الحصر نورد الأمثلة التالية مبتدئين بتجربتين خصتا الساحة التونسية :

  • في بداية سنة 1997 و على إثر الإعتداء على المناضل التونسي أحمد المناعي نظّم “التحالف الزاباتي من أجل التحرر الإجتماعي” حملة في العاصمة الفرنسية باريس تحت عنوان ” بن علي : 10 سنوات من الحكم يكفي” [Fausto Giudice. Petit bilan d’une petite campagne contre un petit dictateur, Journal de marche zapatiste. N°7- 29 novembre 1997. BASTA-YAKFI ! Ben Ali, 10 ans, ça suffit !] و التي انتهت بمظاهرة جابت شوارع باريس بمناسبة الذكرى العاشرة للسابع من نوفمبر. و أثناء هذه الحملة تم توزيع 20.000 من المناشير الحاملة لشعار “باسطا- يكفي” (BASTA- YAKFI). وباسطا هي كلمة إيطالية يستعملها التونسيون و تعني “يزي” أو ” كفاية”.
  • في سنة 2001 تمّ اعتقال الصحفي اليساري التونسي جلال الزغلامي مع بعض رفاقه بسبب إطلاقه صحيفة إلكترونية تدعى “قوس الكرامة” كان قد اختار لعددها الأول عنوان ” بن علي باسطا.” [Jalel Zoghlami. Ben Ali, basta ! Propos recueillis par Laure Favières. Rouge, 15-02-2001.] و قد قام جلال الزغلامي و من معه بتوزيع مقاله هذا في الشارع الرئيسي بالعاصمة تونس و لقي تأييد العديد من المناضلين الأجانب و العرب نجد من بينهم المناضلة المصرية الدكتورة عائدة سيف الدولة التي ساهمت و لا تزال في حشد التأييد الإعلامي له. و عائدة سيف الدولة هي من أبرز الوجوه التي شاركت في التظاهرات التي نظمتها حركة ” كفاية” المصرية. فهل يمكن أن نعتبر أن ” كفاية” المصرية قد اقتبست إسمها من مبادرة الصحفي جلال الزغلامي ” بن علي باسطا” لمجرد أنّ تجربة جلال الزغلامي سبقتها زمنيا ؟
  • في سنة 2003، أي قبل ولادة حركة ” كفاية” المصرية بسنة، تمكنت حركة قاعدية في جورجيا تحمل نفس الإسم (كمارا- و التي تعني يكفي باللغة الجورجيةKmara ) من تنظيم ما درج على تسميته ب “الثورة البرتقالية” حيث تمكنت سنة 2004 من الإطاحة بالرئيس إدوارد شيفارنادزة متبعة وصفة العصيان المدني للمنظر جين شارب و مستندة في علاقاتها على دوائر المخابرات الأمريكية و المنظمات الدائرة في فلكها التي وفرت لها التمويل و التدريب و التغطية. لماذا لا نتهم إذا حركة ” كفاية” المصرية بالتقليد و عدم الأصالة خاصة و أنّ الأدبيات التي يتداولها مناضلو ” كفاية” وكذا التقنيات الإحتجاجية التي اتبعوها نضجت في مسرح الأحداث الجورجي و الأكراني و الصربي ؟

  • في سنة 2003 ، قبل ولادة حركة ” كفاية” المصرية ، ولدت في ألبانيا حركة شبابية و قاعدية مثيلة تحمل تفس الإسم (“مجافت”، أي كفاية بالألبانية MJAFT ) و تسعى عبر حملاتها الإعلامية و التحسيسية المكثفة إلى توعية المواطنين و تشجيعهم على ممارسة حقوقهم المدنية.
  • جابت العاصمة الهولندية أمستردام في شهر سبتمبر من هذه السنة مظاهرة تحت شعار “كفاية إنها كفاية” (Genoeg is genoeg)، شارك فيها أكثر من ستة آلاف متظاهر أغلبهم من المسلمين إلى جانب عدد من منظمات المجتمع المدني للإحتجاج على الإجراءات العنصرية الموجهة خاصة ضد المسلمين. فهل لهذه المظاهرة علاقة تقليد بحركة ” كفاية” المصرية لمجرد أنها تحمل نفس الإسم ؟

إلى جانب كل هذه الأمثلة من التجارب و المبادرات و الحركات القاعدية توجد العديد من المنظمات الأهلية التي تحمل نفس الإسم. و لا أظن أن لذكرها من فائدة طالما أنه تبين أن هذه التسمية ليست حبيسة على حركة دون أخرى و لا على بلد دون غيره بل هي صرخة رفض لواقع فساد لم يعد يطاق تـُنطق بلهجات و لغات متعددة . فتارة هي “يزي” و تارة هي “كفاية” و تارة أخرى هي “باسطا” أو “كمارا” أو “مجافت”.

ب‌) في الأهداف و المُقاربة.

إن كل مقارنة بين حركة ” كفاية” المصرية و مبادرة “يزي” التونسية لا تأخذ بعين الإعتبار الأهداف المختلفة و المقاربات المتباينة للتجربتين ،على تقاسمهما للإسم، فهي مقارنة غير جادة و مهزوزة. فكيف يصحّ أن نقارن تجربة جابت الشارع المصري و خاضت المظاهرات محققت مكسبا تاريخيا هاما منذ إعلان حالة الطوارئ في بداية الثمانينات، بأخرى، تونسية، أعلنت ،منذ اندلاعها، بأن حرمانها من حق التظاهر السلمي داخل الفضاءات العمومية التونسية أجبرها على اللجوء إلى فضاء الأنترنت قصد تنظيم مظاهرة أعتبرت الأولى من نوعها ؟

و إذا كانت حركة “كفاية” تسعى حسب بيانها التأسيسي إلى “إجراء إصلاح شامل سياسي ودستوري” فإن مبادرة “يزي” التونسية تهدف إلى لفت الأنظار إلى وضع حرية التعبير و التظاهر السلمي في تونس. فالفارق بينهما جوهري رغم القواسم المشتركة من حيث الإسم و مطلب تنحي الحكومات الحالية عن السلطة و فتح المجال لتداولها. زد على هذا فإن مبادرة “يزي” هي مظاهرة على موقع أنترنت، أما “كفاية” فهي حركة.

وخلاصة القول هنا، أن المجازفة باتهام “يزي” التونسية بالتقليد و عدم الإبداع ينمُ عن عدم إلمام بالتجارب الأخرى و بالمستجدات التي يشهدها ميدان ما يسمى بالعمل السلمي من تحول جذري طرء على مقاربات الإحتجاج حيث أن أكثر من نصف المعركة ضد الديكتاتوريات بات يدور في ميدان الإعلام الذي صار يلعب أحيانا دورا أكبر من العمل السياسي الكلاسيكي. و لقد لخص أحد الباحثين المراقبين للتحولات التي طالت مؤخرا أساليب العصيان المدني ب ” مزيج دقيق من اللاّعنف والتسويق… ” [راجع: Vincent Jauvret, “ Les faiseurs de révolutions ”, Le Nouvel Observateur, Paris, 25 mai 2005.]

و سنتعرض بالتحليل لمقاربة “يزي” الإعلامية لنسلط الضوء على ما أضافته في مجال العمل المعارض التونسي و ما ينقصها حتى لا تكون تجربتها مجرد طفرة و زبد يذهب جفاء بل نقلة نوعية تترك بصماتها الحقيقية كتجربة أسست لنمط جديد من أنماط الإحتجاج السلمي.

2) من نقل الخبر إلى صنع الحدث الإعلامي.

من الملاحظات الأولى التي لا تخفى على كل من تابع ولادة مبادرة “يزي” هي سرعة الرد عليها، سلبا و إيجابا، و كثافة تجاوب الناس معها و هو ما يمثل بحد ذاته وحدة قياسية تمكننا من تحديد حجم الوقع الذي تركته على الساحة و الذي أخرجها من تُـكون شبكة العمل الإفتراضي إلى الواقع لتؤثر فيه و تتأثر به. و لهذا التفاعل مدلولاته التي يجب الوقوف عليها و تقصّيها. فسرعة تدخل يد الرقابة التونسية (18 ساعة بعيد بعث موقع يزّي) و كثافة تجاوب الناس معها التي عبرت عنها ديناميكية الحوار على المواقع و المنتديات و المدوّنات التونسية و الأجنبية مما حدى بقناة الجزيرة إلى إقامة برنامج لمناقشة موضوع “الإنترنت والتنفيس الإعلامي والسياسي” كان عنوانه مبادرة “يزي” تضاف إلى رصيدها المتمثل في كونها الأولى من نوعها. و الوحدة القياسية هذه المتمثلة في سرعة حجب موقع “يزي” و كثافة التفاعل مع بادرته تساعدنا على مقارنتها بغيرها من المبادرات داخل فضاء الأنترنت و حتى خارجه. كما تمكننا من فهم الأسباب الكامنة وراء نجاح و فشل هذه المبادرة أو تلك عسانا نصل في النهاية إلى اكتشاف القوانين التي هي بصدد تغيير علاقة الإعلام بالسياسة.

أ‌. الوجود الإعلامي

لقد عالجت الفلسفة و علم المنطق طويلا مسألة الوجود و أقسامه و مراتبه. فالوجود عيني و طبيعي و ذهني، داخلي و خارجي، لفظي و كتبي. و لعل الوجود الذي يجب الإنتباه إليه اليوم و نحن نعيش بداية الثورة الرقمية هو الوجود الإعلامي و كذا الوجود الإفتراضي الذي نخصصه لنقطة لاحقة. لنبدء بطرح بعض الأسئلة التي تبدو أساسية :

هل يكمن أن يوجد حدث سياسي دون أن يوجد إعلاميا ؟ أي هل أن الوجود الإعلامي صار شرطا للوجود العيني بحيث لا يكتمل الحدث السياسي إلا به ؟ كم من حدث و اقعي ولد و مات دون أن يكون له أي تأثير على مجريات الأحداث ؟ و على العكس، كم من خبر إعلامي ولد ضعيفا لترتقى درجة وجوده بشكل تصاعدي تنتهي بتغيير مجريات الأحداث ؟ هل الوجود الإعلامي غاية بنفسها أم وسيلة يمتطيها الحدث لتجاوز حدود واقعه في معركة غير متكافئة ؟

قبل أن نجيب على هذه الأسئلة لنبدء بمقارنة مظاهرتين وقعتا في نفس المدة الزمنية تقريبا لاستخلاص عبرة لها عظيم الدلالة.

فقد جابت المظاهرة الأولى شوارع العاصمة التونسية يوم 4 مارس 2005 للتنديد بالدعوة التي وجهها النظام التونسي للوزير الأول الإسرائيلي أريال شارون، في حين جابت الثانية العاصمة التركية إسطنبول يوم 6 مارس 2005 بمناسبة اليوم العالمي للمرأة مطالبة بمزيد من الحقوق النسائية. المظاهرتان وُوجهتا بوحشية من قبل الأجهزة الأمنية لكل من تونس و تركيا. الفارق الوحيد بينهما يكمن في أن الاولى، أي التونسية، لم ترتقي إلى درجة الوجود الإعلامي نظرا للغياب الفادح لتقنيات نقل الخبر من تصوير حي سمعي/بصري.

وعلى عكس الأولى ، تمكنت الثانية من أن توظف التقنيات الحديثة و تخلّد مشاهد تدخل قوات الأمن التركية وهي تنهال ضربا على المتظاهرات ال150 بتسجيلها بالفيديو. مشاهد الهراوات و الدم و الجروح البليغة و أصوات الصراخ و معمعة الإصطدام الأمني بالمتظاهرات أوجدت الحدث إعلاميا و أخرجته من حدود الشارع الذي جابته التظاهرة لتجوب به شاشات العالم أجمع. ففي حين تحدثت كل القنواة التلفزية أو أغلبها عن المظاهرة النسائية في تركيا و مطالبها و وحشية الأساليب التي استـُخدمت لقمعها عارضة مادة في مستوى الطلب أو أكبر، لم تنجح رديفتها التونسية في لفت إنتباه الرأي العام المحلي و لا الدولي على الرغم من نفس مستوى الوحشية الذي قـُمعت به. إذ لم تتجاوز تغطية الحدث التونسي بعض السطور التي كـُتبت في بعض الصحف الفرنسية المحسوبة على اليسار و التي لم يهمها في الخبر سوى وجود المحامية راضية النصراوي في عداد المصابين. الصورة الشبه يتيمة لراضية النصراوي أعطت للحدث ما لم تعطه كل البيانات و نصوص التنديد الركيكة التي عودتنا عليها المعارضة التونسية و منظمات المجتمع المدني.

الدروس التي يمكن إتخلاصها من هذه المقارنة كثيرة لعل أهمها :

  • الصورة و الصوت أقوى من النص الذي لم يعد يكفي لكسب عقول و قلوب الناس. فعدالة أي قضية و سمو المبادئ التي تدافع عنها ليست لها قوة الجذب الكافية في هذه “المعركة اللامتماثلة” (Asymmetric War) التي يبطش فيها الظالمون إعلاميا أكثر مما يبطشون ماديا.

  • إذا أردنا من وسائل الإعلام السمعية و البصرية أن تقوم بتغطية أحداث نعتبرها بالغة الأهمية كان لزاما علينا أن نقايضها بمادة إعلامية تـُسوّق الخبر و تلقى رواجا في سوق لا تختلف قوانينه عن تلك التي تحكم السوق العادية من عرض و طلب. فالتشويق و الطرافة و الإبتكار و الفرادة و التجديد باتت من مقومات نجاح أي عمل يسعى إلى لفت إنتباه الناس. فهي مقايضة يجد فيها الإعلامي ضالته من حيث التشويق و الطرافة التي يوفرها الحدث ويجد فيها السياسي ضالته عبر وصول ما يريد إبلاغه إلى عيون و آذان الناس. فوقوف شاب أعزل أمام رتل دبابات صينية أثناء انتفاضة الشباب في ساحة “تيان آن مين” كانت أقوى و أفصح من كل الخطابات السياسية التي رافقت الأحداث آن ذاك. و كذا الشأن بالنسبة لصورة الطفل الفلسطيني الذي يقف امام دبابة اسرائيلية وهو يهم بقذفها بحجر. إنها صور تتحول إلى بضاعة إعلامية خاضعة لقوانين الطلب و العرض مع فارق أساسي يتمثل في تلك الشحنة السياسية و الإنسانية النبيلة التي تحملها لتجوب بها العالم فاضحة وجه الطغيان و هازمة ترسانة التضليل الإعلامي لقوى و دول تصرف المبالغ الطائلة لتزيين صورتها الإعلامية. فالتحدي كل التحدي يكمن في ذكاء و قدرة الخطاب الثائر ذو الإمكانات المعدومة على غلبة من بحوزته أسباب كل شيء إلا عدالة القضية.

  • يعتبر الوجود الإعلامي إذا من ضرورات العمل السياسي الناجح. و ليس باستطاعة أي مبادرة سياسية أو مواطنية مهما علا شأنها من تحقيق أهدافها المرجوة دون تحقيق إنتصارات إعلامية تمهـّد لإنتصارات سياسية لاحقة. و لا يمكن اختزال الوجود الإعلامي في مجرد المرور بقناة تلفزية أو إذاعية بل في فرض حدث إعلامي يكون قادرا على تحريك ما سكن و تنفيس ما كـُبت عبر تفريخ ديناميكيات أطراف مستقلة عن المركز تأخذ على عاتقها مهمة إعادة بعث الحدث إلى ما لا نهاية.

ب‌. الوجود الإفتراضي.

يجب تذكير الذين يعملون على سحب صفة الواقعية عن الأنترنت أن هذا الأخير ليس سوى امتدادا لوسائل الإتصال الأخرى كالمذياع و الهاتف و التلفزيون بل قل فإنه المحطة و الأداة التي ترتقي فيها و بها كل هذه الوسائل إلى درجة الإتقان. فهذه الدوائر المستقلة سابقا قد تداخلت تدريجيا لتتحول بفضل الأنترنت الى دائرة واحدة. و الثورة الرقمية التي تجري تحت أعيننا لم تنجح فقط في مزج وسائل الإتصال بعضها ببعض بل في مزج وسائل الإتصال بالمعلومات. فأغلب الصحف و الإذاعات و القنواة التلفزية تمتلك مواقع إلكترونية تلتقي فيها الكتابة بالصوت وبالصورة. نجاحات الأنترنت الباهرة في الإرتقاء بهذه الوسائل إلى مستوى تتحد فيه ببعضها مستفيدة من سرعة انتقال المعلومة و من تحررها، النسبي أحيانا و الكلي أحيانا أخرى، من الرقابة لا يجعل من العمل المعروض على الأنترنت مسرحا لعالم إفتراضي مُصطَنع تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والخيال با هو تجل لما يحصل في الواقع من تطور مذهل في مجال تشابكت فيه الإبتكارات العلمية بقوانين السوق المُعولمة و تلاشي مقومات السيادة الوطنية الواحدة تلو الأخرى.

ولعل من أهم التحولات التي أدخلتها الثورة الرقمية هي تلك التي بعثرت علاقتنا بالزمان وبالمكان. و كما يقول الباحث جان-كلود غيبو : ” لا نزال في بداية مسار ضخم يعدل في العمق علاقتنا بالزمان والمكان حيث يزولان تدريجياً في شكل من الاشكال لصالح بعد زمني-مكاني موحد ومحيّر: الفورية الافتراضية. “قارة سادسة” تظهر للعيان بفعل انتصار النظام الرقمي والانترنت والحيز الافتراضي، وميزتها(…) انها محكومة بالفورية. وها هي اليوم جميع النشاطات البشرية تهاجر واحدة تلو الاخرى وفي حال من الفوضى الرهيبة نحو هذه القارة الغريبة: التجارة والمال والثقافة والاتصالات والاقتصاد الخ…(…) سوف يزداد ايقاع هذه الهجرة بفعل حدوث الاختراقات التكنولوجية. ” [مخاطر جديدة. هل الانسان على طريق الزوال؟ جان-كلود غيبو. العالم الدبلوماسي آب/اغسطس 2001.

NOUVELLES MENACES. L’homme en voie de disparition ? Par Jean-Claude Guillebaud. LE MONDE DIPLOMATIQUE | août 2001 | Page 20.]

و قد تكون سرعة إعادة صياغة علاقتنا بالزمان والمكان وراء سوء الفهم الرائج للأنترنت بحيث أن الصورة النمطيّة (cliché) “الإفتراضية” التي التصقت به مجانا صارت قدرا يُعدم كل المواد المعروضة فيه و يسحب صفة الواقعية عنها. و كما هو معروف فإن الصور النمطيّة (الكليشيهات) لا تزول بسهولة خاصة إذا كان رسوخها في أذهان الناس لم تواجهه أي دراسة نقدية أو تصحيحية تضع الأمور في نصابها.

فلنتسائل. هل أن الوقت و الجهد الذي يسخرهما مصمم المواقع و البرامج و الذان غالبا ما يكونان على حساب حياته الإجتماعية و المهنية وقتا و جهدا إفتراضيين ؟ هل أن ما يـُكتب على صفحات الأنترنت و ما يـُعرض من صور و أشرطة سمعية و بصرية ليس قادرا على أن يلمس الواقع ليؤثر فيه و يتتأثر به في علاقة تفاعلية تتميز بقدرتها على اختراق حدود المكان و الزمان ؟ فالكتاب و المقال و كل ما يـُعرض على الشبكة يـُطبع و يُنسخ و يـُسجّل على أقراص تـُوزّع بين أناس حقيقيين يتفاعلون واقعيا معها سلبا و إيجابا ؟

خلاصة القول هنا أن الصفة و الصورة النمطيّة التي التصقت بالأنترنت تعبّر عن قصر نظر من يتوخاها ، لا عن قصور الأنترنت عن مرافقة مجريات الأحداث الواقعية ليـُثريها و يزيد في زخمها بل ليتحول تدريجيا أمام أعيننا إلى فاعل يـُرسي المبادرات، يبتكر المقاربات و يـُجند لهما الطاقات الحقيقية. فمن مجرد ناقل للخبر و من مجرد وسيلة اتصال بات العمل المناضل “الإفتراضي” صانعا للحدث و قالبا رأسا على عقب لكل المقاربات التي سبقته.

3) مقاربة “يزي” بين الوسيلة و الهدف.

إختصرت المعارضة التونسية الحقيقية أساليب عملها ، تحت وطئ القبضة الحديدية التي تجعل من كل حياة سياسية مجرد مسرحية فارغة المضمون، على البيانات المنددة و العرائض المساندة. إذا اشتدّ عودها أضربت عن الطعام. وإذا هان و ضعف أضربت عن الكلام. أما المعارضة الصورية و الغذائية فهي في سعيها الدائب شبه الديني بين صفا المشاركة في المهازل الإنتخابية و مروة الوقوف على الربوة إقتناصا لغنائم دنيا السياسة. و إذا أضفنا الخناق الأمني و التضييق الإعلامي المسلط على المعارضة إلى ضيق أفقها الذاتي و انحباس حراكها في خانة العمل الحقوقي إتضحت لنا صورة هذا الموت السريري الذي طال عهده و الذي جعل من أي مبادرة تريد تحريك مياه المعارضة الراكدة مجرد شاذ لا يُحفظ و لا يُقاس عليه. فبين روتينية اليأس و اليأس المفرط ظهرت مبادرة “يزي” لتقدم ين يدي المعارضة و المجتمع المدني نموذجا جديدا للتعاطي مع الإمكانات المتوفرة و تسخيرها في معركة إعلامية و نفسية من نوع جديد قوامها الخروج من منطق رد الفعل إلى الفعل المنظم أخذا بزمام المبادرة. الشيئ الذي من شأنه أن يجبر النظام التونسي الذي تعود على أن تكون له الكلمة الأولى في معادلة الصراع على الرد الإنفعالي عليها بطريقة تفضح ألاعيبه. مشهد قلب الأدوار هذا له تأثيراته العميقة على مستقبل الصراع مع الدكتاتورية بشرط أن تستمر روح المبادرة الذكية في إنتاج موجات فعل تجبر السلطة على لعب دور المُدافع المُحاصَـر. و يمكننا تلخيص الإستراتيجية التي اتبعتها مبادرة “يزي” في النقاط التالية :

  • إن آلة الخداع الإعلامي و السياسي لنظام بن علي يمكن الإنتصار عليها، لكن ليس عبر ردود أفعال تكون أسبقية المناورة فيها للسلطة بل من خلال أعمال منظمة تعتمد مبدأ الهجوم و المفاجأة و التنوع في توظيف التكنولوجيات الحديثة. و كما قلنا سابقا فإن عدالة أي قضية لا تكفي لتنتصر طالما أن الخطة المتبعة أصلا هي خطة دفاعية مهزومة.

  • لقد علمتنا التجارب الثورية و التغييرية في العالم أن السياسات الإعلامية لكل عمل إحتجاجي ناجح تـُبنى على ركيزتين : ركيزة الإعلام سلبي و ركيزة الإعلام إيجابي. ففي حين تسعى الحملات الإعلامية السلبية إلى فضح و نقد فساد السياسات التي تتبعها السلطة القائمة وتعرية التجاوزات الحاصلة، تسعى الحملات الإعلامية الإيجابية إلى تعبئة الجماهير و توعيتها و إقناعها بضرورة التغيير. و قد إرتكزت سياسة تجربة “يزي” الإعلامية إلى حد الآن على هذين الركيزتين ضاربة عصفورين بحجر إذ في نفس الوقت الذي فضحت فيه أُكذوبة “جمهورية الغد” التونسية نجحت نسبيا في كسر الحواجز النفسية من خوف و حيطة و هاجس أمني و إرادة التقاء عبّرت عنها، من جهة، المشاركات المتزايدة يوميا للوجوه الجديدة الوافدة على عالم السياسة ، الشبابية منها خاصة، و التي باتت تتجرأ على رفع شعار “يزي فك بن علي” مكشوفة الوجه و من جهة إخرى، الوجوه السياسية المعروفة ذي الحساسيات الإديولوحية و السياسية المختلفة.

  • ضرورة التواصل مع العالم الإنجلوسكسوني حيث أن استعمال اللغة الأنجليزية لم يعد أمرا ثانويا بل ملحا هدفه التحرر من هيمنة فرنسا ، لغة و إعلاما و منظمات أهلية، على المشهد السياسي المعارض التونسي. و قد أثبتت التجربة القصيرة ل”يزّي” بأن التغطية الإعلامية الكثيفة التي رافقت المبادرة لم يكن مصدرها المؤسسات و الدوائر الإعلامية الكبرى، الفرنسية منها خاصة، بل نشطاء الشبكة و المواقع و المدونات البديلة الذين خلقوا ديناميكية مستقلة إنتهت بحمل مؤسسات إعلامية كبرى و واحدة من أهم صاقلي الرأي العام الدولي على تغطية الحدث و تخصيص برنامج خاص له (كقناة الجزيرة و موقع القناة الأمريكية س.ن.نCNN ). و بالرغم من أن هذه المؤسسات الإعلامية الكبرى كانت سباقة في نقل الخبر و صقله فأنها لم تكن سوى صدا و امتدادا للحملة التي شهدتها المواقع البديلة و المهتمة بالأنترنت و بالحريات خاصة في العالم الإنجلوسكسون و العربي. إذ لم تحظى مبادرة يزي بتغطية إعلامية تـُذكر داخل الفضاء الفرونكوفوني لأسباب إهمها إرتباط هذا الأخير الوثيق بدوائر صنع الخبر و شبكات المصالح الخاصة الماسكة بأزمّة المجتمع المدني التونسي ذي التقاليد الإستفرادية والعشائرية و الزبائنية. هذا الأسلوب الذي دشنته مبادرة “يزّي” يجب توسيعه ليشمل لغات إخرى تكون جسر تواصل بين نشطاء الأنترنت التونسي و غيرهم من فضاءات لغوية هامة كأمريكا اللاتينية و العالم الآسيوي على سبيل المثال.

  • ليس من المبالغة القول أن إحترام الشكل الذي يختاره كل متظاهر للتعبير عن رأيه و عدم حصر المشاركة في التظاهرة على الوجوه المكشوفة أو المعروفة يعتبر من أطرف مقاربات التعاطي مع حرية التعبير التي تم ابتكارها إلى حد الآن على الأنترنت. و لعلها من أهم الإضافات التي جلبتها “يزّي”. فعلى عكس العرائض التي تدعو الناس للتوقيع على نص تمّ تحريره مسبقا فإن مقاربة “يزّي” لا تكتفي فقط بفتح المجال للمتظاهرين لابتكار أسلوبهم الخاص في التعبير عن رفضهم لحكم بن علي بل تمنحهم فضاء للتواجد ” جسديا” من خلال حضورهم كصورة. فكأني بهم يقولون لبن علي ” ها أنا ذا لأقول لك يزي فك !”.

وكل من عاب على هذه المبادرة فتحها لمجال يتجلى فيه الخوف، و على حد قول بعضهم [ La double serrure, par Mokhtar Yahyaoui, 03 octobre 2005.] الجبن الذي يُمثل قوة الدكتاتورية، نسي أن ” الجثث الهامدة لمن يتباكون مُخفيي الوجه ” قد شجعت أخرى على أن تشارك مكشوفة الوجه. وهو المنحى الذي بدأت تأخذه التظاهرة بحيث أن معدل الوجوه المكشوفة في تزايد مضطرد. هذا المنحى الجديد يجرنا إلى معالجة مسألة في بالغ الأهمية ألا و هي قضية التعاطي مع الخوف.

  • إن الإنتصار على الدكتاتورية يمر عبر الإنتصار على الخوف الذي نجحت في زرعه في قلوب العوام من الناس، إذ بالخوف وحده يحكم الطاغوت. و كما قال الكواكبي فإن “العوام هم قوت المستبد وقوته، بهم عليهم يصول وبهم على غيرهم يطول” [طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي . الصفحة 84.] . وهزيمة الخوف لا تتم في يوم أو يومين. إنه مسار يطول و يقصر بحسب قدرة الوسائل المستخدمة و المنهجيات المتبعة على مساعدة الناس على التحرر تدريجيا من عقدة الخوف التي هي بمثابة الإعاقة المانعة للحركة. و كثيرة هي التقنيات المستعملة للتغلب على الخوف ، من الخطاب الحماسي و الثوري الذي يهدف إلى التعبئة العاطفية و شحن الهمم إلى السخرية و الطرافة و النكتة السياسية التي تمسّ هيبة الحاكم وتنهش عرش سيادته رويدا رويدا. فالتجرؤ على إبداء الرأي المخالف و على قول “بن علي يزي … فك” هو بداية مسار قد ينتهي، إذا احتـُرمت قوانينه، بالإنتصار على سياسة التخويف التي هي ركيزة الدكتاتورية الأولى. مسار و نسق هذه العملية التفكيكية لقلاع الخوف التي لم توله أحزاب المعارضة أي اهتمام تنبّهت له مبادرة “يزي” طارقة دربا جديدا من دروب الحرب النفسية ضد الدكتاتورية.

  • التركيز على اسم بن علي و ربط عنوان المبادرة به لم يكن أمرا إعتباطيا بل خيارا قوامه عزل بن علي، الذي يمثل و يختزل السلطة المستبدة، عن من سواه. فصور بن علي المعلقة على جدران أغلب المحلات و الإداراة و كذا صوره و اسمه الذان يملآن يوميا الصحف ونشرات أخبار التلفزة و الإذاعة تمثل عنوان الولاء المجدّد و المكرر له. و إن عملية تحطيم الولاء لهذا الصنم شبه المُؤلّه في نفوس و عقول العوام من الناس لا تتطلب تحليلا و لا تنظيرا للعقلية و للسلوك و للثقافة التي ترعرعت في كنفها آفة التأليه و الولاء الأعمى بقدر ما تتطلب تعويدا على التجرئ على المستبد من خلال الإشارة إليه كمصدر داء. هذا التشخيص الذي لخصته الآية القرآنية ب” إذهب إلى فرعون إنه طغى” يسعى كما قلنا إلى خلق الظروف الملائمة للإستفراد ببن علي عن طريق فصله كأصل للإستبداد عن فروعه من حزب و دولة و أجهزة أمنية و طبقة مستفيدين. و لعل النقد البناء الذي تفضل به الأخ خالد الطراولي في مقاله القيم ” إشارات على طريق مبادرة يزي..فك ” [خالد الطراولي، إشارات على طريق مبادرة يزي..فك ، الاحد 16 تشرين الأول 2005] و الذي يرى في ” تشخيص” الخطاب “مراهنة مغلوطة “، يصدق لو منحت المعارضة و قوى المجتمع المدني صكا سياسيا على بياض لمن سيخلف بن علي. أي تكرار الخطأ الذي وقع بعد السابع من نوفمبر و الذي جرّ البلاد مرة أخرى إلى مأساة الإستفراد بالسلطة. إلا أننا لم نصل بعد إلى مرحلة ما بعد التغيير- مرحلة البناء – و لا زلنا في مرحلة “التخريب” السلمي التي تهدف إلى الإستفراد ببن علي تشجيعا لكل من أراد الإصلاح لتونس و لكل من خاطرته فكرة الخروج على الرئيس و التنديد بسياسته الاستبدادية – إن كان من داخل النظام أو من داخل الحزب الحاكم أو من داخل الأجهزة الأمنية -. و لا شك أن نجاح الثورات و التجارب التغييرية في العالم لم يكن ممكنا دون التركيز على ملك أو شاه أو قيصر أو رئيس قـُدّم للناس على أساس أنه رأس المشكل الذي لن يـُحل إلا برحيله.

صحيح أن رحيل الرئيس أو من يمثل رأس الطغيان ليس باستطاعته أن يضمن نهائيا الإنتصار على الإستبداد و لا على الثقافة التي منحت المجال لصولة المستبد. صحيح أيضا أن نهاية فرد لا تعني بالضرورة نهاية نظام. و لكي يؤتي رحيله ثمرته الحقيقية كان لزاما على القوى المعارضة من أحزاب و منظمات المجتمع المدني من أن تقوم بدورها التوعوي ،السياسي و الثقافي، لحماية مكاسب التغيير و السهر على تطبيق القانون و دحر معاقل الولاء أيا كان مصدره و نوعه. و لكي لا نـُلدغ من ذات الجُحر مرتين و ثلاث و أربع وجب علينا أن ننزع عنا نهائيا ثياب الثقة السياسية من قبيل ” ثقتنا في الله و في بن علي كبيرة” ليكون منهجنا منهج حيطة و محاسبة و مراقبة.

خلاصة.

إن الدروس التي يمكن إستخلاصها من هذه التجربة الفريدة التي لا تزال في بداياتها بالغة الأهمية شكلا ومضمونا. وهي مبادرة لا تخدم النظام على عكس ما ذهب إليه البعض ممن رأى فيها مسرحا سياسيا مراهقا يتباكى فيه “الجبناء” ،ممن يهابون مواجهة النظام بوجوههم و أسمائهم، على قدرهم المشؤوم. و كما رأينا فهي مبادرة تعزز نسق استنزاف الطاغية بن علي بسبب ما يمكن أن تـُحدثه من ترشيد للفعل الأحتجاجي والسياسي والإعلامي. فهي ليست عملية إنفعالية محصورة بحدود الزمان و المكان تخبو بخبوّ أصحابها و مؤسسيها و تقف عندما يقررون التوقف عن إضراب أو الدخول في حوار مع السلطة، بل هي ديناميكية عمل منظم يعرف كيف يزوّج الحيوية الذاتية و الدائمة لشبكة المعلومات بشعور الغضب تجاه آلة الإستبداد التونسية في مسار تصاعدي منتج لديناميكيات جانبية مستقلة. إنها في نفس الوقت مزيج من التقنية و التسويق و الفرادة و بساطة الخطاب تمتطيها قضية عادلة في حاجة ماسة إلى التواصل مع من يحمل هم السياسة و من ليس له في سوقها باع.

Advertisements