في مدرسة الويبلوغستان الإيرانية

we are Iran

لقد انتهيت مؤخرا من قراءة كتاب “نحن إيران: المدونات الفارسية” للصحفية و اللاجئة الإيرانية المقيمة في لندن نسرين علوي و الذي يعالج ظاهرة التدوين في إيران.

أنا لم أخف يوما اهتمامي الكبير بإيران، ذاك البلد الذي زرته خلال مناسبتين و أقمت فيه أكثر من سنة و نصف. ففي طهران تعلمت اللغة الفارسية. و هناك تعرفت على شعب طالما أحببته وفـُتنت بحويته و بخلاقيته. علاقتي بالأنترنات تعود إلى سنة 1998 في إيران حيث أبحرت لأول مرة على الشبكة. ففي ذاك البلد وُلدت رغبتي في العمل الحركي الإفتراضي. و لعله السبب وراء إعجابي بعمل المدونين و نشطاء الأنترنات الإيرانيين. يمثل بالنسبة لي الويبلوغستان – الإسم الذي أعطاه الإيرانيون لمجمع مدوناتهم – مدرسة بأتم معنى الكلمة. دليلي على هذا حجم المقالات التي عالجت ظاهرة المدونات الإيرانية.

لنعد إلى الكتاب و لنسرد بعض المعطيات و الأرقام ذات الدلالة البالغة :

  • يوجد في إيران أكثر من 100.000 مدونة. و إذا كان السواد الأعظم من المدونين مقيما في إيران فإن للشتات حجما و دورا كبيرين داخل تجمع المدونين الإيرانيين.
  • تعود ظاهرة التدوين في إيران إلى حسين درخشان المعروف باسم هودر. فقد كتب، نزولاً عند رغبة أحد زوار مدونته، تعليمات حول كيفية تصميم المدوّنات باللغة الفارسية. دليله “كيف أصمم مدونة خلال 10 دقائق” كان سببا مباشرا في الإرتفاع المذهل لعدد المدونات الفارسية.
  • تعتبر اللغة الفارسية حسب إحصائيات نيتل بلوغ سونسس لسنة 2005 رابع لغة تدوين في العالم. و حسب دراسة صدرت على صفحات مجلة تايمز يوم 23 كانون الأول/ديسمبر 2005 فإن الفارسية في طريقها إلى اقتلاع المرتبة الثانية كلغة تدوين، مزاحمة الفرنسية و متقدمة على الإسبانية و الصينية و الروسية.
  • أول مدون يسجن في العالم بسبب المحتوى السياسي لمدونته إيراني الأصل. إنه الصحفي و المدون سينا مطلبى الذي اعتقل يوم 20 فبراير/ شباط 2003 و وجهت له تهمة ” تعريض أمن الدولة للخطر” بسبب حوارات أجراها و نصوصا تنتقد النظام الإيراني كان قد نشرها على مدونته.
  • من 1 مليون خلال سنة 2001 بلغ عدد مستعملي الأنترنات 5 ملايين خلال سنة 2005. و يتوقع أن يتخطى حاجز 25 مليون مستخدم مع حلول سنة 2009.
  • إيران من أولى البلدان الذين عملوا على سن قوانين خاصة بالأنترنات مانعة ” نشر معلومات ضد النظام و مسؤولي الدولة.”

الشيء الذي ساعد على نمو الويبلوغستان هو تلك القيود المضروبة على حرية التعبيرفي إيران. ففي الوقت الذي سعت فيه السلطات القضائية إلى إسكات الصوت الإصلاحي و المعارض عبر تعليق صدور أكثر من مائة مجلة و صحيفة، هاجرت أقلام الصحفيين و النقاد تدريجيا إلى شبكة الأنترنات بحثا عن فضاء أنسب لممارسة حريتهم في التعبير. هكذا تحولت المدونات في عيون الشباب إلى مصدر رئيسي ذي مصداقية لتقصي المعلومات و نشرها و لنتظيم التحركات الإحتجاجية الطلابية. فالنقابات الطلابية و المنظمات الأهلية و الصحفيون و نشطاء حقوق الإنسان يستعملون المدونات للتواصل و الإعلام. حتى أننا رأينا كيف بادرت شخصيات سياسية مؤثرة من ملالي و رجال فكر إلى إنشاء مدونات شخصية كمحمد علي أبطحي النائب السابق لرئيس الجمهورية خاتمي.

إيران بلد يشهد حركية سياسية فائقة حيث لم تنجح السياسات القمعية ولا الرقابة المسلطة على وسائل الإعلام في حمل الناس على التخلي عن حقهم فى التعبير و لا في ترك النضال من أجل تحقيق هامش أكبر من الحريات. و على عكس الصورة السائدة التي عودنتا عليها وسائل الإعلام و التي غالبا ما تقدم لنا إيران كبلد للملالي، مغلق على نفسه و متعصب و ظلامي، تبرز لنا مطالعة هذا الكتاب وجها آخر لإيران. وجه بلد حديث و منفتح يناضل من أجل حريته و يلعب فيه الأنترنات نفس الدور الذي لعبته الأشرطة الصوتية خلال ثورة 1979 : أداة للتوعية و للإحتجاج و للإعلام.

هذا الوجه الخفي للجمهورية الإسلامية التي سعت الكاتبة لإبرازه قد يكون سببا وراء اختيارها لهذا العنوان للكتاب. “نحن إيران” يقدم إذا صورة متباينة عن البلد. إنه يسرد حركيات إجتماعية لأمة شابة منفتحة على العالم و عازمة على إصلاح أمر ثورتها.

الكتاب عبارة عن باقة من النصوص التي نشرت على عدد من المدونات الإيرانية. تتدخل الصحفية في بداية كل فصل أو جزء لتبدي بآراء شديدة في نقدها للنظام و لتمد القارء بمعلومات عن أوضاع البلد. ثم تترك الكلمة للمدونين ليعبروا عن آرائهم في مقتطفات اختارتها الصحفية على خلفية سياسية ثم قامت بترجمتها إلى الأنجليزية.

لا يدّخر المدونون الإيرانيون جهدا في عرض وجهات نظرهم، فهم يناقشون كل شيء و يطرحون كل المواضيع. من مجريات حياتهم اليومية في ظل النظام الإسلامي إلى علاقتهم المخضرمة بالإرث الثوري. و من إرادتهم التغييرية إلى نفورهم من الشرطة الدينية (البسيج) التي تراقب حركاتهم. من المخلفات التي تركتها على مجتمعهم حرب 8 سنة مع الجار العراقي، إلى علاقتهم بالدين الذي تحول إلى إيديولوجية الدولة، و إلى صلتهم بالتاريخ القديم و الحديث بأرض فارس الأبية و المتميزة. من مغامرات حفلاتهم المختلطة التي ينظمونها خفية، إلى الموسيقى و الإفلام الممنوعة التي يحمّلونها من شبكة الأنترنات. من أزمة البطالة و أحداث الإحتجاجات داخل و خارج الحرم الجامعي، إلى الضجر الإجتماعي و مطالب و كبوات الحركة الإصلاحية. من أزمة الهوية، إلى الفن و الشعر و الغرب الذي بات جزءا من ثقافة البلد.

في بلد تديره حكومة إسلامية مذعورة مما تطلق عليه الدعاية الرسمية بالغزو الثقافي الغربي، يُتهم كل ما يخرج عن المألوف بتعريضه لأمن البلد للخطر: كالصحون اللاقطة، سراويل الجينز، المساحيق، أغاني النجمة الإيرانية قوقوش.، السينماء الإيراني بالرغم من نجاحاته في الخارج، التعلق بالحيوانات الأهلية و خاصة الكلاب التي تنبذها الثقافة الإسلامية. ولوع نسبة لا بأس بها من الشباب الإيراني (الذي يمثل حوالي 70 بالمائة من مجموع السكان) بالثقافة الغربية و بأدواتها – الشيئ الذي يمكن اعتباره دليلا على فشل المشروع الثوري الخميني –يُقدّم على أساس أنه انحراف يجب زجره دينيا، بسم الله و بسم ممثله في الأرض، قائد الثورة الإسلامية.

فمن خضم هذه التناقضات و المفارقات التي تمس كل جوانب الحياة في إيران يستمد الويبلوغستان ازدهاره و حيوته. و كما أشارت إليه الكاتبة فإن من أبرزمفارقات الجمهورية الإسلامية ذاك الجيل المتعلم و ذو الحساسية السياسية العالية الذي نجحت الجمهورية في إنجابه بفضل سياسة مجانية و تعميم التعليم التي توخاها الإمام الخميني و الذي فشلت الآن في السيطرة عليه و إخضاعه. إنهم أبناء و بنات الثورة الإسلامية الذين يشكلون اليوم أكبر تحد للنظام الإيراني. و كما قال أحد المدونين المذكورين فى الكتاب (Godfather – ص 66) : ” شبابنا كان إما في سجن “أفين” أو في جبهة الحرب…خيرة أبناء ذلك الجيل إنتهت في المقابر… و لم يبق أحد لمقاومة النظام… حتى هذا اليوم…و حتى بروزهذا الجيل الجديد.”

هذه عموما الصورة التي سعى الكتاب أن يسوّقها عن إيران عبر المقتطفات التي تم اختيارها بكل عناية من على المذكّرات اليومية للمدونين الإيرانيين.

نقاط ضعف الكتاب تتمثل في التعليقات المطوّلة للكاتبة التي أرى أنها تكلمت أكثر من المدونين. فقد عمدت على بناء ” جدل سياسي” موجه ضد النظام الذي تعارضه بقوة. عينات النصوص التي انتقتها و ترجمتها لتعرضها على القراء تخدم نظرتها للأشياء.

الملاحظة السلبية الأخرى و التي تهم الجانب التقني من الكتاب تتعلق بنسيان الكاتبة لذكر العديد من مصادر و عناوين المدونات التي اقتبست منها قسما لا يستهان به من المقتطفات المعروضة في الكتاب. الشيء الذي يضر بمصداقية الكتاب و يجعل من أي مقاربة نقدية له عملا شبه مستحيل إذ يصعب التأكد من صحة و مصداقية المصادر المستعملة. و كما نبه إليه السينمائي و الصحفي الإيراني المقيم في لندن أمير أميراني : ” فالكتاب لا يحتوي على أية مقدمة و لا تمهيد و لا حتى ملاحظات المؤلف الذي لا يمدنا أيضا بأية معلومة عن ظروف نشر الكتاب و لا عن عدد المدونين الذين اختص بذكرهم و ما إذا كانوا على علم بهذه المبادرة.”
مدون إيراني آخر تعرض بالنقد للإدعاء المبالغ فيه للكاتبة التي تزعم أنها قادرة من خلال ال365 صفحة التي يحتويها الكتاب على تصوير ” الوجه الحقيقي لإيران اليوم”. و يقترح عليها اتخاذ “نحن أيضا إيران” كعنوان للكتاب بدل “نحن إيران” الذي اختارته. إذ حسب رأيه فإن الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني لا تدوّن و هي ليست حتى مرتبطة بالأنترنات.

مقارنة وجيزة بالمشهد التونسي.

أود أن أقارن الأرقام المتعلقة بوضع الإنترنات و التدوين في إيران بهذه المعلومات حول الحالة التونسية ثم أختم هذا المقال ببعض التساؤلات:

  • حسب نفس المصدر يوجد في تونس 305 مركز عمومي للأنترنات.
  • أول سجين تونسي يسجن بسبب نشاطه على الأنترنات هو المرحوم زهير اليحياوي الذي لم يكن مدونا بل مسؤولا و مصمما لموقع و لمنتدى معارض.
  • لا توجد إلى اليوم أية إحصائية عن العدد الحقيقي أو التقريبي للمدونات التونسية.
  • تستعمل أغلب المدونات التونسية اللغة الفرنسية كلغة أساسية للتدوين. لغة تونس الرسمية، العربية، لا تستعمل إلا نادرا من قبل المدونين الذين رسخوا بشكل جلي القطيعة التي تفصل لغة الشعب عن لغة النخبة. فئة قليلة جدا من بين المدونين التونسيين تدوّن كليا بالعربية أو بالعربية و لغة ثانية كالفرنسية أو الأنجليزية.

عندما نطالع بعض الردود التي ظهرت على إثر نشر المقال المستفز”المدونات التونسية، من كل شيء إلى لاشيء” (بالفرنسية) الذي نشرعلى موقع الصحيفة الأسبوعية التونسية “تونس هبدو”، خاصة ذاك الذي اعتبر أن ” المدونات اليوم في تونس تملأ الفراغ الذي تحدثه الصحافة التونسية” فأننا نفكر مباشرة في العنوان المبالغ فيه لكتاب “نحن إيران”. إذ كيف ندعي سد فراغ الصحافة التونسية في وقت تسود فيه أجواء الرقابة الذاتية و أجواء تجنب الحديث عن الشأن السياسي التونسي فضاء ما يطلق عليه “مجمع المدونات التونسية”؟ ما هو الفرق بين الصحفي الذي يخشى على نفسه بطش السلطة فيقوم بمراقبة قلمه ذاتيا متجنبا المواضيع التي قد تُغضب و بين صاحب مدونة يُسوق نفسه على أنه غير مُتسيّس و يكتب عن كل المواضيع السياسية في العالم إلا سياسة بلده تونس ؟

إذا كانت المدونات في إيران تشكل الأداة التي تُدار بها اليوم معركة الحريات و الديمقراطية فالأمر مختلف في تونس إذ تلعب المواقع و المنتديات و قوائم المراسلات المخالفة لنظام بن علي هذا الدور الريادي. و على عكس الويبلوغستان الإيراني فإن “مجمع المدونات التونسية” أبعد ما يكون من منطق العمل السياسي أو حتى المواطني. و لا يسعنا هنا إلا أن نُقر بأن جيلا جديدا من المدونين بدأ يتعرض لأوضاع تونس السياسية مما يُحرج “الحرس القديم” الذي راهن على الطبيعة الغير السياسية للتدوين.

و كما هو الشأن بالنسبة لمجمع المدونين الإيرانيين و المصريين و البنانيين و البحرينيين و العرب عموما فإن “مجمع المدونات التونسية” لا يمكنه الإستمرار في نهج الامبالاة هذا دون المساس بمصداقيته و نموه.

أوصي في النهاية كل المهتمين بظاهرة التدوين و بدوره في الصراع من أجل الحريات بمطالعة هذا الكتاب.

لم أفزع قطُّ من الموت، وإن صار الحديث عنه

أكثر ابتذالاً منه، وأشد إثارة للغثيان.

خوفي كلُّه من الموت في أرض

أجرُ حفار القبور فيها أغلى من حرية الإنسان.

أحمد شملو (شاعرإيراني- 1925/2000)

Advertisements