لماذا ندوّن؟

FreeFouad

بمناسبة يوم التدونية البيضاء التي ينظمها المدونون التونسيون اليوم تنديدا بسياسة حجب المدونات و التضييق على حرية التعبير على الشبكة، أغتنم هذه الفرصة لأهدي تدوينتي هذه لصديقي و أخي المدون السعودي فؤاد أحمد الفرحان الذي تم اعتقاله يوم 10 ديسمبر 2007 بسبب آرائه.

لماذا؟ قد يتسائل البعض. و ما دخل مدون سعودي في قضية تخص فضاء التدوين التونسي؟ السبب بسيط قد يكمن في أن قضية فؤاد تختزل لوحدها مأساة و رسالة التدوين في هذا العالم العربي الذي بات سجنا كبيرا تـُقبر فيه الكلمة الطيبة و من تلفظ بها. لماذا ندون و لماذا ندافع عن هذا الفضاء الذي أعطانا ما لم تعطه لنا أوطاننا و أهدانا ما يعمل ولاة أمرنا، بجبروتهم و عساكرهم و وشاتهم و خزينة دولة كان أولى بها أن تخدمنا، على مصادرته؟ لأننا كما كتب فؤاد و عدد “نرفض عقلية القطيع”.

و لأن فؤاد، أو عميد المدونين السعوديين كما يحب أن يسميه أترابه، رفض هكذا عقلية قامت سلطات المملكة باعتقاله، حيث اقتحمت قوى الشرطة مكتبه بشركة “سمارت انفو” التي يديرها و مقرها جدة و رافقوه إلى منزله أين قاموا بحجز حاسوبه الشخصي واقتياده إلى جهة مجهولة، من المحتمل أن تكون مركز المباحث العامة.

فؤاد شاب متزوج يبلغ من العمر 32 سنة وهو أب لطفلين “رغد وخطاب” كان قد درس في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تحصل على باكالوريوس في الإدارة و ماجستير علوم حاسب عاد بعدها إلى وطنه ليؤسس شركته “سمارت انفو” . فؤاد ليس من عبيد الدنيا ممن ارتضوا بحياة الترف و الرفاهة. تدويناته الناقدة التي يمضيها باسمه الحقيقي أزعجت السلطات السعودية فعمدت على التضييق عليه بسبب جرأته الغير معهودة و أفكاره الإصلاحية النابذة للعنف و الفساد و المنددة بالصحافة المأجورة و بعلماء السلطان الذين حولوا الدين إلى أيديولجة دولة تستبد بالضعيف فأجبر على غلق مدونته الأولى تاركا عالم التدوين غصبا عنه.

إلا أن فؤاد، رجل الأعمال، عاد و أنشأ مدونة جديدة قوامها الكلمة الجريئة و الشريفة، دشنها بنص من أجمل ما كتب أعلن فيه رفضه بأن يكون “مواطنا سعوديا صالحا” ، صامتا، راضيا بمنزله الجميل، بسيارته الفارهة، بعائلته المستقرة، بأصدقائه في الترفيه، و بحسابه البنكي الذي يقيه عواقب الدنيا..

و قبل أن يتم اعتقاله كتب فؤاد برسالة إلى أصدقائه أخبرهم فيها بوجود أمر رسمي من وزارة الداخلية يقضي بالقبض عليه بغية التحقيق معه حول تدويناته المساندة للإصلاح و نصرته لمجموعة من سجناء الرأي الإصلاحيين في المملكة:

علمت أن هناك أمر رسمي من أحد مسؤولي وزارة الداخلية للتحقيق معي و أنه سيتم اعتقالي في أي وقت خلال الأسبوعبن القادمين.
سبب إصدار هذا الأمر هو أنني كتبت عن المعتقلين السياسيين منذ فترة وهم يعتقدون أنني أقوم بعمل حملة دعائية للدفاع عنهم و الترويج لقضيتهم – اللي هي الإصلاح أو التغيير – في حين أن كل ما قمت به هو أنني كتبت بعض المقالات و وضعت بعض البانرات وطلبت من الإخوة المدونين أن يحذو حذوي.
طلب مني هذا المصدر أن أتعاون معه و أن أكتب اعتذار. لكني لا أدري عن ماذا يريدونني أن أعتذر؟ أأعتذر عن أنني قلت أن الحكومة كاذبة في ادعاءاتها باتهام الإصلاحيين بأنهم يدعمون الإرهاب؟

طلب مني المصدر أن أتوقع الأسوأ وهو أن يتم اعتقالي لمدة 3 أيام لحين كتابة تقرير جيد عني ومن ثم يفرجوا عني. و قد لا يكون هناك اعتقال أو حتى اعتذار لكن لو طالت المدة عن 3 ايام أريد أن تصل رسالتي هذه للجميع….لا أريد أن أنسى في السجن.

من أجل فؤاد و من أجل المبادئ النبيلة التي يحملها أنشر هنا تدوينته التي تنبض حرية و مروؤة و أدعو الإخوة المدونين التونسيين و العرب إلى نشر قضية فؤاد و الدفاع عنه:

مواطن سعودي صالح..سابقاً

اليوم تجاوزت الثلاثين من العمر بسنتين..
كم بقي من الوقت؟..متى؟.. سألت نفسي..
ألقيت نظرة سريعة على حياتي الماضية، فوجدت أن كل المؤشرات تقول بأنني متجه لكي أكون “مواطن سعودي صالح”..
..
..
“مواطن صالح” في الطريق لتحقيق طموحه..
منزل جميل، سيارة فارهة، عائلة مستقرة، أصدقاء للترفيه عنه، وحساب بنكي يقيه عواقب الدنيا..
“مواطن صالح” ليس همه إلا نفسه..
لا يهمه مصير المسجونين بلا محاكمات..
ولا بكاء الجياع من الأيتام..
ولا ظلم النساء..
ولا قلق الشباب..
ولا عبرة الفقراء..
ولا خوف الناصحين..
ولا صرخة المظلومين..
ولا قهر المنهوبين..
ولا خنقة المكلومين..
ولا رعب الآمنين..
..
..
“مواطن صالح”..
لا يهمه جاره…
ولا جار جاره..
لا يهمه كذب الوزراء..
ولا نفاق المسؤولين..
ولا تزوير الإعلام..
ولا سحت البنوك..
..
..
“مواطن سعودي صالح” لا يهمونه كل أولئك ..
أو..
يهمونه.. ولكنه يخاف..
يخاف أن يعبر عن رأيه.. لأنه يرى بأم عينيه بأن من يعبر عن رأيه يزج به خلف القضبان..
أو ربما يخاف أن يعبر عن رأيه لأنه يرى بأن رأيه لا يقدم ولا يؤخر..
أو ربما يخاف أن يعبر عن رأيه لأن الكلام في الشأن العام ليس من الإسلام كما يقول علماء السلطان..
..
..
اليوم وقد قضيت من السنين 32 عاماً قررت أن لا أكون “مواطن صالح”..
..
..
قررت أن أعبر عن رأيي بكامل إرادتي وذلك لعدة أسباب..
أولها.. لأن خالقي خلقني حراً ووهبني حرية التعبير عن رأيي..
و ثانيها.. لأن الحرية والعدل والمساواة والكرامة والشورى هي من صميم رسالة ديني..
وثالثها.. لأن هذا وطني وموطني..
ورابعها.. لأنني أهتم بكل أولئك..
وخامسها.. لأن التعبير عن رأيي يريحني نوعاً ما عندما أضع رأسي على الوسادة وأتذكر كل أولئك..
وسادسها.. لأجل مستقبل رغد وخطاب وكل أطفالنا..
..
..
قررت أن لا أكون “مواطن صالح” وأن أقف مع المسجون واليتيم والفقير والشاب والمرأة والشيخ والناصح والمظلوم والمكلوم والمرعوب..
..
..
لن أنتظر حتى أبني منزلي..
ولا حتى أن يتضخم رصيدي البنكي..
..
..
“عودة عباس” لا تخيفني..
..
..
لأجل رغد وخطاب ومستقبلهما سأعبر عن رأيي ولن أكون “مواطن سعودي صالح”..
..
..
كل عام وأنا بخير.

Advertisements