عشر سنوات من المنفى، هل تكفي؟

Ras Djedir 22-2-98

Libya 22-2-98

عشر سنوات من المنفى و لا أدري أنعاك يا وطن أم أنعى المنفى. فكلاكما غربتان في قلبي، و كما قالت مجموعة البحث الموسيقي “الحال حال الغرائب، غريب الوطن و المنافي”. و لعل مرد ترددي هذا إلى الطبيعة القسرية المتسلطة لكليهما. فالمنفى لم و لن يكون خيارا بل اضطرارا. أما الوطن فحاله كما نعلم، ربعه شرطة و ثلاثة أرباعه محكمة.

لن أعود هنا إلى كتابة قصة هروبي و شرح الأسباب التي رافقته. لقد كنت قد كتبت كتابا مفصلا يروي في 250 صفحة التي يحتويها وقائع السفر و أطواره منذ انطلاقته حين قام أعوان الفرقة الأمنية ببنزرت بإخراجي من فراشي، في مشهد طالما ذكّرني بمشهد “قم ودّع اليوم الأخير” الذي استهل به الأديب ميخائيل نعيمة قصته الشهيرة “اليوم الأخير”، و من ثم التحقيق معي، وصولا إلى استقراري بمدينة لاهاي، و مرورا بليبيا و النيجر و تشاد و السعودية و إيران طوال الإحدى عشر شهرا التي استغرقتها الرحلة.

السجن أو المنفي؟

كان هذا أول سؤال سألته نفسي عندما أخلى رجال الأمن السياسي سبيلي صبيحة يوم السبت 21 فيفري 1998 مرفوقا باستدعاء للمثول بعد يومين، أي يوم الإثنين 23 فيفري، أمام قسم أمن الدولة بوزارة الداخلية بالعاصمة تونس لمواصلة التحقيق. مجرد تخيل أقبية وزارة الداخلية و أساليب التحقيق لتي تـُستعمل فيها كانا كافيين بإقناعي بأن ما سأربحه من المنفى أكبر بكثير مما سأخسره. لم أتردد لحظة في اتخاذ قرار الهروب إذ غاردت تونس في نفس اليوم و لم يكن معي سوي 60 دينارا و علبة سجائر و حقيبة صغيرة جمعت فيها ما قلّ من اللباس.

عندما دخلت الأراضي الليبية ليلة 22 من فيفري 1998 كانت ليبيا تعيش وقتها على وقع الحصار الجوي المفروض عليها و لم أكن أدري ما ستكون وجهتي و لا كيف سأغادر الجماهرية التي كان يربطها بتونس إتفاق تعاون أمني سلمت بمقتضاه العشرات من الفارين التونسيين المنتمين لحركة النهضة الذين استقروا بها أو اتخذوها معبرا بريا للسودان.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أزور فيها ليبيا و لا المرة الأولى التي أقف فيها على حقيقة مأساة هوان الإنسان العربي الذي ليس له و لا لجواز سفره، الذي يعيق الحركة أكثر من تسهيلها، قيمة تذكر غير قيمته الأمنية التي توليها له أجهزة الشرطة و التنكيل و الإستخبارات. لم أكن أتوقع يومها أن مقامي في ليبيا قد يتجاوز الثلاثة أشهر و لا أني سأحلّ ضيفا على قسم الأمن الخارجي الليبي بمدينة سبها الجنوبية لمدة خمسة أيام خالطت فيها العديد من المعتقلين العرب و الأفارقة. إعتقالي هناك كان على خلفية محاولتي التوجه إلى النيجر عبر الصحراء الكبرى التي كانت تمثل المخرج الوحيد لمن كان مثلي من العرب المطاردين والأفارقة العائدين لأوطانهم. و لقد كان هذا طبعا تدشينا لسلسلة من التحقيقات الأمنية الاحقة التي رافقت دخولي لكل بلد مررت به خلال رحلتي.

عبوري بالصحراء الكبرى، الذي حررني من الكابوس الليبي و من الهاجس الأمني العربي مؤقتا، كان على متن شاحنة نقل رفقة العشرات من الشباب الإفريقي و بعض العرب الذين شردتهم أوطانهم. و كم رددت في تلك الفترة التي كنت أشق فيها رمال الصحراء الكبرى بيت الشاعر العراقي مظفر النواب عندما قال “سنصبح نحن يهود التاريخ و نعوي في الصحراء بلا مأوى”.

استغرقت الرحلة، التي كانت شاقة و جميلة في نفس الوقت، أسبوعين اكتشفت خلالها أن حرقة الأفارقة إلى أوروبا حرقتان: الأولى على شاحنات النقل القديمة التي تتسلل الصحراء الليبية و الجزائرية، و التي يموت خلالها الكثيرون بعيدا عن وسائل الإعلام، و الثانية، و التي أطلق عليها البعض ممن دلّلتهم الحضارة صفة “الهجرة غير الشرعية”، تكون على قوارب الموت التي تشق البحر الأبيض المتوسط في طريقها إلى سواحل أروبا الجنوبية، و هي الأكثر شهرة.

ماذا جنيت من المنفي و ماذا خسرت؟

ماذا خسرت عندما اضطررت إلى مغادرة تونس و ماذا جنيت من تواجدي في المنفى؟ سؤال رافقني و لا يزال، يمنعني تارة من المجازفة بنفسي و بأوهام الإستقرار الذي يمنحها لي المنفى، و يدفعني أخرى إلى المغامرة و تحدي ما أطلق عليه الدكتور الشهيد على شريعتي بسجون الإنسان الأربعة “الذات و التاريخ و المجتمع و الطبيعة”.

لقد أهدى لي المنفى و كذا أسفاري، سواءا تلك التي قمت بها في الماضي أو تلك التي أنا بصدد القيام بها بشكل دائم في أطار عملي، فرصة مراجعة علاقتي بالأشياء و الأشخاص، بالمفاهيم و الإيديولوجيات، بالماضي و بالحاضر و بكل ما يحيطني من حراك و جمود. أهم ما ربحته من المنفى و من السفر هو تعلمي لعدد من اللغات و مخالطتي لمزيج من الشعوب التي فتحت لي نوافذ لا تحصى لمعايشة ثقافات مختلفة ساعدتني كلها على إعادة تركيب هويتي و فهمها، إذ لا أزال مقتنعا أن الهوية في حراك دائم و ليست كيانا جامدا ذي مكونات محددة و ثابة.

إلى جانب هذا فقد حررتني تجربة المنفى من هيمنة اللغة الفرنسية و من تسلطها النرجسي و الثقافوي، إذ كانت و لا تزال تشكل بالنسبة للأغلبية المثقفة في تونس الوسيط الشبه الوحيد لفهم الثقافة الغربية و للتعامل مع اللحظة الحضارية الكونية. فمن ينكر أننا نموت و نحيى في مربع “انتظار الترجمة و التقليد” التي قد يتفضل بها علينا العقل الفرنسي أو المتفرنس؟ فليست علاقتنا بالإنتاج الفكري و الثقافي و التكنلوجي العالمي سوى علاقة بالوساطة الفرنسية التي تأتي متأخرة و غالبا ما تكون مشوبة بعقدة “الخصوصية الثقافية” العزيزة على فرنسا.

و على الرغم من أن تجربتي في إيران و إقامتي هناك خلال مناسبتين قضيت خلالها سنة و نصف قد كانت سببا مباشرا لهروبي من تونس فأنني لم أندم و لن أندم يوما على ذلك إذ وفرت لي تلك التجربة، علاوة على تعلمي للغة الفارسية، فرصة دراسة الإسلام السياسي عن كثب و حفر تاريخية الصراع المذهبي السني و الشيعي الذي بدونه تفكيكه لن نفهم مأزق الحضارة الإسلامية و لن نحقق يوما حلم النهضة المعاقة التي راود أعلام الإصلاح في القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين.

تجربة إيران التي كتبت عنها مطولا هنا، مكنتني من مسائلة مشروع الإسلام السياسي و معاينة مأزق “الثورة و الدولة” و التخلي نهائيا عن نزعة تسييس الإسلام و آفة حصر الدين في خانة الفقه و الشريعة التي فتكت بالعقل المسلم. و قد كانت فرصة قابلت فيها العديد من وجوه الإسلام السياسي الشيعي و السني على حد سواء من خامنئي و خاتمي و السيد حسن نصر الله إلى فضل الله و كوادر حماس و الجهاد و غيرهم من المرتادين على طهران و قُم من منظري ما يطلق عليه ب “جبهة الرفض”.

من جانب آخر فقد بعثر المنفى علاقتي بكل الأشياء. بالوطن و الأهل، بالمىشاعر و الأفكار، بالذكريات و الأحلام، بالحب و الكره، بالصداقة و الصديق، بالخير و الشر. و لا أنكر أن الأمر اختلط علي إلى درجة أنني لم أعد أعرف هل أن توقي للوطن و الأحبة شوق أم بقية ذكرى. و هل أن صدّ باب الحنين الذي يجتاحني إلى مهد الطفولة و عبث الشباب و قبلة الحبيب الأول هربا من لذة ماض لم تعد تحتملها لحظة حاضر مسلوب الهوية و الإنتماء أم أنه رضاء بقدر اغتُصبت منه أبعاد الزمكان فصار عبثا تائها لا تترك خطواته أثرا على خط الزمان.

ليس المنفى مجرد بعد عن المكان بل هو إقتراب من اللامعنى و مصاحبة للاإنتماء. إنه عبارة عن زنزانة لا مكانية و لا زمانية نسجن فيها علاقتنا بمكونات الذات إلى حين، أم إلى الأبد؟ لا أدري. كل ما أدري هو أن مسافة الوعي التي تفصلني عن الوطن هي الوطن و أن الحبل المتين الذي يشدني إلى المنفى خطا رقيقا في علاقتي بالوطن.

قد يكمن درس المنفى الأول في قدرة الإنسان على تدريب قلبه و تلقينه بعضا من القسوة في التفاتاته إلى الماضي، خاصة إذا كان حبنا لأرضنا، للأحبة، لأزقة و حيطان المدينة العتيقة ، لملوحة البحر و أديم الأرض و للأشجار التي زرعناها بأيدينا و لا ندري أأثمرت أم حلى طعمها حبا جنونيا مُعبئا بالثورة و بالعشق و برائحة الياسمين. و كما قال مظفر في بكائيته على صدر الوطن: ” فالقلب تعلم غربته …تعلم ألا ينضج كل النضج …فيسقط بالطعم الحلو … و يسقط في الطعم الحلو”.

و يبقي سؤالي قائما: عشر سنوات من المنفى، هل تكفي لحصولنا على دكتوراة في حب الوطن بدل جواز سفر تدلل به علينا سفاراتنا المتحضرة جدا؟ و هل سيسفر الوطن يوما عن وطن؟ قد تستغرق الإجابة على هذه الأسئلة سنوات أُخر، إلى حينها دعوني أردد ما قاله الشاعر الإيراني أحمد شملو:

خوفي كلُّه من الموت في أرض

أجرُ حفار القبور فيها أغلى من حرية الإنسان.

Advertisements