النظام التونسي محاصر على الأنترنت و سلاحه الوحيد هو الحجب

صدر هذا الحوار في العدد 18 من “الجريدة الأولى” المغربية، صفحة تقنية المعلومات، بتاريخ 7 يونيو 2008. أجرى الحوار الصديق طارق السعدي، المتخصص في الصحافة الإلكترونية و المشرف على بوابة مراكش.

لتحميل الملف بي. دي. أف

بداية، لماذا اختيار الأنترنت عوض الوسائط التقليدية للنضال السياسي في بلدك؟

لأن الأنترنت هي الحلقة الوحيدة التي أفلتت من قبضة السلطة. طبيعة وسائط الأنترنت المنفتحة و المرنة و المتشابكة هي التي هزمت الآلة القمعية التونسية. و بالمقابل حسن استخدام هذه الوسائط من قبل ناشطي الأنترنت التونسيين و فهمهم لطبيعة الصراع الدائر حول المعلومة هو سر نجاهم النسبي في فضح خدعة “النموذج التونسي”.

كيف ذلك؟

للتجربة، قم بإجراء بحث على كلمة تونس أو زين العابدين بن على بمحرك بحث صور و فيديوهات غوغل و سترى بعينك كيف هزم ناشطو الأنترنت التونسيون وزارة الإعلام التونسية و مهندسي الوكالة التونسية للأنترنت و صحافتهم المرتزقة. فالنظام التونسي محاصر على الأنترنت و سلاحه الوحيد هو الحجب و ما تبقى من الرقابة الذاتية التي نجحت سياسة الترهيب في فرضها على المواطن التونسي، و التي بدأت تتلاشى تحت وقع الفضائح و الإنتهاكات.

غالبا ما يحدث تداخل كبير ما بين مفهومي المدون والصحافي. هل يمكنك توضيح الوظائف الخاصة أو المشتركة بينهما في رأيك؟

أعتقد أن الفرق الأساسي بينهما هو أن المدون لا تربطه علاقة مهنية بالخبر و الحدث، فتعاطيه معهما ينم عن روح مواطنية أو ذاتية صرفة. فالمدون نتاج تشابك التطور التكنلوجي، الذي سهل له عملية إيصال المعلومة و الوصول إليها. أما الصحافي فهو مأجور و ملزم بأخلاقيات مهنته التي قد يحترمها و قد يخترقها. كتاباته و إن كانت مستقلة و مهنية هي مصدر رزقه و هي بذالك عرضة للرقابة و المراجعة و المصادرة، على عكس المدون الذي لا يلزمه شيئ أو أحد غير ضميره، إن كان له ضمير، و رقابته الذاتية إن أجبرته ظروفه الموضوعية على ممارستها.

يعاب على المدونات كونها فضاءات مراهقة لا يمكن المراهنة على أخبارها ومصداقيتها. ما تعليقك على ذلك ؟

هناك بالتأكيد مدونات مراهقة يديرها مراهقون، و هذا ليس عيبا، بل على العكس أمر إيجابي. أن تجد المراهقة طريقها إلى الكتابة و التعبير عن الذات ألا يـُعد هذا أمرا إيجايبا؟ أم أنه يراد للمراهقة أن تبقى مكبوتة لا تنطق إلا عن صعلكة أو تطرف؟ المشكل يكمن في التعميم و سيادة النظرة التبسيطية لظاهرة التدوين العدائية حينا و المثالية أخرى: إذ كما أنه لا يصح الإدعاء بأن المدونات فضاء للصحافة البديلة الناضجة و المهنية، فإنه من الحيف أيضا الإدعاء بأنها فضاء للمراهقة أو لتسريب الإشاعات و الأكاذيب.

هناك عدد لا بأس به من المدونات العربية و غير العربية التي أثبتت مصداقيتها مثل المدونات المصرية كالوعي المصري للمدون وائل عباس و غيرها من المدونات التي تفضح الفساد. نفس الشيء تقريبا رأيناه في المغرب مع قناص ترجيست و كيف أجبر الدرك الوطني المغربي و معه الصحافة التقليدية إلى مواجهة مشكلة حقيقية و ليست مفتعلة تنهش المجتمع و لم تجد طريقها إلى الرأي العام إلا من خلال عدسة مواطن مجهول قد يكون مراهقا أحسن استعمال وسائط ما يسمى بالويب الإجتماعي أو الواب 2.0.

لديك مدونة اسمها فكرة وهي محجوبة عن مشتخدمي الانترنت بتونس. لماذا تم الحجب في اعتقادك ؟ أتشكل خطرا لهذه الدرجة ؟

ليس باستطاعة أي أحد في تونس أن يقدم سببا رسميا يبرر حجب المواقع و المدونات و خدمات تقاسم أشرطة الفيديو العالمية التي تحجبها تونس كموقعي يوتيوب و داليموشيون. فسياسة الحجب هناك لا تخضع لمعايير شفافة، و ليس لها قانون يؤطرها، بل إننا لا ندري حتى من هي تلك الجهة المسؤولة عن الحجب و الرقابة. حجب مدونتي منذ سنة 2003 كحجب غيرها من المدونات و المواقع المستقلة ذات النبرة الناقدة هو استمرار لحالة الإنغلاق الإعلامي و التمييع الثقافي التي تعيشهما تونس منذ التسعينات. فالقاعدة في تونس هي الحجب، أما عدم الحجب فهو الإستثناء و الشاذ الذي لا يـُحفظ و لا يـُقاس عليه.

يرى النظام الحاكم بتونس أن مناضلي الأنترنت التونسيين يتم استخدامهم من قبل منظمات دولية لأغراض سياسية لاعلاقة لها بحرية التعبير والشعارات المرفوعة. ما رأيك في ذلك ؟

النظام التونسي هو الذي تستخدمه القوى الأجنبية من أجل فرض سياسات غير شعبية بعلة محاربة الإرهاب و مقاومة ما يسمى بالهجرة السرية. تهمة العمالة للأجنبي تطلقها السلطة و طابورها الإعلامي بين الحين و الآخر بهدف سحب الشرعية عن معارضيها.

ثم لنتفرض أن ادعاءات السلطة صادقة، لماذا تترك هذه السلطة المجال للمنظمات الأجنبية لاستخدام مناضلي الأنترنت التونسي، و لا تقوم هي بتوظيف هذه الطاقات الوطنية لمصلحة البلاد ؟ لماذا تقوم بحجب و قرصنة و تخريب مواقعنا و مدوناتنا إن كانت فعلا تريد بنا خيرا؟ لو كانت السلطة حريصة فعلا على أن لا يلجأ الناشط التونسي إلى المنظمات الدولية الغير حكومية فلتبدأ برفع الحجب عن فضاءاتها و رفع الخناق عن منظمات المجتمع المدني التونسي، و لتمنحنا استقلالنا الذي سرقته منا و برلماننا الذي ناضل آباؤنا من أجله و سيادة شعبنا الذي تستهر بها عصابات الأمن !

هل تعتقد ببداية ظهور مفهوم صارم ومستقل للصحافة المواطنة ؟ وبالمناسبة ما التسمية المفضل لديك ؟ مواطنة؟ وافدة ؟ جديدة ؟…

نعم، أنا أؤمن بقدرة الصحافة المواطنة على أن تتحول إلى مفهوم صارم و مستقل، بل أنا مقتنع أيضا أنه في حال تواصل نسق التطور التقني الحالي الذي تشهده وسائل الإتصال الحديثة بخاصيتها التفاعلية و رخيصة الثمن، فإن الصحافة التقليدية ستلجأ إلى استخدام نفس الوسائط التي تستخدمها الصحافة المواطنة من أجل ضمان بقائها. و أظن أننا شاهدنا هذا المنحى على مواقع الشركات الإعلامية الكبرى التي فتحت فضاء للتدوين و دخلت يوتيوب و غيره من مواقع الشبكات الإجتماعية التي تجاهلتها في الأول.

أما العالم العربي فللأسف الشديد لا تزال صحافتنا التقليدية متشبثة بقوالب الماضي من مركزية و بيروقراطية و جمود و عجز عن استيعاب فكرة أنه إن لم تتأقلم اليوم و تساير التطور التكنولوجي الحاصل فإنه لن يكون بمقدورك غدا أن ترفع التحدي الذي سيفرضه عليك جهاز صغير كالهاتف المحمول الذي صار يوازي غرفة أخبار.

ماجديد الانترنت الحر بتونس ؟

الجديد هو استغلال تشابك و ترابط و تفاعلية الأنترنت من أجل نشر المعلومة على أكبر عدد ممكن من مواقع الشبكات الإجتماعية العالمية و وسائط الواب 2.0 حتى تصعب على النظام التونسي مهمة التصدي لها. بمعنى آخر: إغراق الأنترنت بالمعلومات و الصور و الفيديوهات البديلة و الناقدة. ما ينشر على يوتيوب يُستغل على فايسبوك و وغوغل إيرث و الخرائط، و ما ينشر على المواقع المحجوبة مثل موقع نواة و غيره يعاد نشره عن طريق التلقيمات على تويتر و فايسبوك. و ما ينشر على مواقع تقاسم الفيديو يـُشاهد بطريقة كاسرة للبروكسي على المدونات.

الجانب الآخر هو التركيز على مسألة كسر البروكسي و إدخال المعلومة بكل الطرق إلى مستخدم الأنترنت التونسي و تعويده على كسر حاجز الخوف تدريجيا.

إنها حرب عصابات رقمية من نوع جديد، لكنها تستند إلى نظرية قديمة قدم الحروب اللامتوازية حيث تضع مبدأ الإستنزاف و تشتيت قوى العدو و فتح جبهات متعددة هدفها نهك الخصم في مدة زمنية طويلة الأمد عبر استعمال تقنيات قليلة لكلفة و ذات فعالية عالية.

متى تعلن استقالتك من التدوين ؟

أنا لم أبدء التدوين بعد، فكيف لي أن أستقيل منه؟ قد يعود هذا إلى كوني لا أعتبر نفسي مدونا بل ناشط أنترنت و تلميذا لمدونين يصنعون الحدث على الميدان. المدون الحقيقي حسب رأيي هو ذاك الذي يدوّن الحدث من الداخل، لا من المنفى. فهو يتحدى بوجوده و كلمته فراعنة تكميم الأفواه و هامانات تحنيط العقل العربي الذي بات رهينة السلطة بتشكلاتها المختلفة، أكانت سياسية أم دينية أم إجتماعية.

Advertisements